
حبّ ، وشعر ، وعمر كله شباب : فما بعد ، يا كاثول ؟ وما بالك ذا وجد : ترتدي ثوب الحداد في حفل عرس ، وتنبعث الشتائم في معبد عن شفتيك ؟
ماذا ؟ منبع الغبطة منبع أساك ، والربيع الذي يكتنفك أرداك خريفاً ؟ هو الحب ، والشعر ، والشباب ، يجعل جسمك عظماً بلا كساء ويبقيك مهمة تائبة ؟
لسبيا !
حبيبتك — أتحبّ حبها ، أم هو أسر لا مفكّ منه ؟ موحى شعرك — فمنها عرفت الجمال ومنها عرفت الألم ، والجمال في شعرك والألم أصداء . والشباب — عرفتها شاباً في الثالثة والعشرين ، زهرة أعوام الحياة ، وتركت الوجود شاباً ، قبل الثلاثين ، بفعلها هي ..
لسبيا !
★
جاء رومة ، ورومة طموحه جبروت ورفعة جاه ودار علم . وراح يعبّ مخلفات الإغريق واللاتين ويسبح في بحر الثقافة .
إلى أن عرف رومة ، وعرف ما الجبروت ، وما الجاه ، وما العلم — إلى أن هجر كل ذا ، وابتلّ جسده بأمواه بحر جديد ، أشد اتساعاً وأكثر طغياناً وأسرع تقلباً :
يوم عرف كلوديا !
بنت ثلاثين : نبيلة الأب نبيلة الزوج ، وهي بعد في عامها الثاني معه . عهدها بالحب مع الطفولة ، وبالإغواء مع الرضاعة . زرع فيها أخوها بزرة الحب ، وما أكثر ما غلّ الحصاد .
عرفها كاثول بكر حبيباته ، وعرفته كلوديا حصباء ، لا أول لها ولا آخر ، تلتم ضفة جدولها ، فتنشقق شفتاها ، وما ارتوتا بعد .
كلوديا الغير لسبيا شعره . ويراها بعض الناقدين أسطورة عاشت بين طيات الديوان لا في الحياة — غاب عنهم أن الشذى
في كل بيت خطه الشاعر يفيح من امرأة حية ، جعلته يحب ، ويكره ، ويحلم ، ويتألم ، ويغار ، ويردي .
★
وتحدث المجتمع عن ذلك الحب الوليد . ولمح كاثول في وجوه صحبه ، وعلى شفاههم ، أمارات أشفاق وبسمات هزء :
الآن كلوديا والعفة ما التقيا في وئام ؟ وما همّ ؟ أما كانت العفة ، لو وجدت ، خصماً يشرد الحب الذي يُفعم قلبه فلا شأن له سواه ؟
وزوجها الوقور ؟ قنصل ، فليهنأ بنفوذه ، وليداعب مشاكل القطر ، وليترك زوجه — فكاثول يجيد المداعبة ، وما أحلى ما تعقد من مشاكل . وليطمئن الزوج بالا : فأي يوم لا تشكو كاثول له ، وتبدي امتعاضها من تصرفه ، فلا خشية من واصل بينهما .
تهوى كاثول ، وحتى اسمه شذيّ . فتعيده في أذن الزوج مرات ، لتنتكه شفتاها .
وأما سمّم فكره ارتياب ، سممت جسمه بلسم جراحه .. ومات فجأة ، ولم يمرض .
★
أين ما تخط يا كاثول ، وصحبك القصر يجبرون أسفاراً ؟ أعيش الشعر خير من قوله ؟
وراح يناجي لسبيا ، وبحسبه أن تسمع هي ، وما شأننا نحن ، نقرّب أسماعنا لنختلس صدى نفثاته :
لنعش ، يا لسبيا ، ولنتنشّق حبّاً : فأقاويل الشيوخ لا تساوي ، كلها ، درهماً واحداً . ها الشموس تغيب وتشرق : أما شمسنا ، فإما غربت مساءً فليلنا سرمدي . هاني ، إذاً ، ألف قبلة ، ثم مائة ، وألفاً ومائة ، بعد مائة وألف : حتى إذا ما نعمنا بهذه الآلاف مزجناها معاً ،