فلا نعي نحن مقدارها ،
ولا ينظر بحيث الينا عذول يعرف عدّ ما اختلسنا من قبلات .
وليس لكما من عذول - فارشفاها هانئين : فبين فجر شمسكما ومغيبها هنيهة .
وتتساءل لسبيا كم من قبلاتها تكفيه وتشبعه :
قدر ما هناك من الرمال الليبية في القيروان ،
أو قدر ما هناك من نجوم ترمق ، والليل صامت ،
ما يسترقه الناس من وقائع غرام .
وبندبون كانول : مات قبل الثلاثين . لكن حسبه عام عاشه ، وكأنه عمّر . ألست كل ليلة يأنس بها الى لسبياه سنوات من حياة الشقاء والحيرة ؟ وهذا الجمال الذي يغمره اعزّ من ان يدوم .
وأي جمال ؟ فكأنما النور والنسوة من حولها ظلال :
أتفخر تلك بعينين وهاتيك بصدر ؟
أتهوى في صديق شفتين وقواماً في زوج ؟
لك ذلك ، لكن هيا تأمل لسبياي ،
فقد اختلست لذاتها عيني تلك وصدر هاتيك ،
وقد انتزعت لنفسها شفتي صديقتك وقوام زوجك ،
وحصرت فيها كل ما في جميلات النساء من سحر وبهاء .
يحبها . رباه ، لم حرمت الناس الحب ، فلم تعرّفه الاّه ؟ وهل تستطيع امرأة في الوجود ان تتباهى قطّ بحب منحته ، ما تستطيعه لسبيا ؟ فقد وهب لها نفسه ، وكرس لها حبه وشعره ، - وهجاءه : لاعدائها قسط ولأصحابها منه اقساط .
حتى طائرها الصغير يمقته : فقد كان يستأثر بحرجها ، واما قضى نحبه انحى باللام على غيوم الموت التي تزدرد كل جميل : فبجراء ما فعلت قد احمرت عينا حبيبته وتورمتا من العويل .
★
وانتشى كانول ، وظلت كلوديا على صوابها الوقاح . فمالت بكأسها الى نديم جديد ، ومالت معه غمزات طرفها .
وكانول ؟ كيف تنبذه كذا ، وقد سربلها بحلل الارجوان ، وخلع عليها من اوصاف الجمال ما جعلها معبودة الحسان ؟ تعرف له جميل ما صنع ، انما تثق من انها قد احكمت رباطه ، وألقته في اسر لا يتيسر له التخلص منه . فما ضرها ان تلتفت الى غيره ، وفي التوحيد سأم ؟
وما عليها ، او عليه ، ان استعر غيرة - أحبّ ولا غيرة ؟
وها بسمة منها لرفيق له تسلب كل ما فيه من حواس : فلسانه يتلعثم ، ويجبت اللهب في اعضاء جسمه الرقيقة ، وتطنطن الأناة من تلقاء ذاتها ، وتغيب عيناه في ليل بهيم .
وراحت حياته قلقاً لا يعرف استقرارا : تُقبل عليه فيتلون وجهه ويسري في عروقه الربيع ، وتُقبل عنه فالحياة جحيم وتسعى عقارب من شعره ، وتعود اليه فيعود معها امل مورق ويَنُقه .
وهي تعرف هذا منه ، ولولا ثقتها من استرقاقه لتحفظت في استهتارها أو لهجرته الى ما لا رجعة . فاتخذتها العوبة مستمرة : صدود واقبال ، يتتاليان مرة بعد مرة بعد مرة : فالداء احد والعلاج احد .
وهو يشهد ما هو فيه ، فلا يعي الاّم يرمز . أحقاً تخونه ؟ أثقته ، أم هي خدعة مظهر ؟ وبأنى خافق مدمى في صدره الا ان يطمئنه ، كأنما ليؤجل الفاجعة ، فيعود في وجهه الشاحب بعض رؤاه ، ويتمم ان لسبيا لا تهوى سواه :
تفتح لسبيا فاها يشتمي ، وابداً تتحدث بالسوء عني. لكن موتاً اموت ان لم تكن تحبني ! الدليل ؟ فحالها حالي : ألست اذكرها ، انا ايضاً ، بالسوء - وموتاً اموت ان لم اكن احبها !
★
لكننا الفاجعة تسعى .
وها المقت شرع يخالج حبه ، ولو انه مقت محب لا مقت نقوم . فهو يحب ويكره ، وليس يدري كيف يعمر قلبه بكلتا العاطفتين معاً ، انما يدري انه يكره ويحب ، وانه بالتالي شقي .
وهي بعيدة عنه ، بعيدة عن مجرى تفكيره . هل يرجوها ان تعود اليه ؟ وصح يا كاتول في غاب - حتى الصدى لا يرتدّ في غير قصيدك .
أيستعطف ارفاق الامس ، اخصام اليوم ، بألا يسلوه
