كان الرجل يتكلم دون ان ينتقي الكلمات ، بصوت متواضع ونبرة ذات وتيرة واحدة . وكان الحر خانقاً في العيادة ذات الجدران البيضاء ، والنوافذ المقفله تحول دون دخول اقل حركة . وكان الطبيب سرجيو يصغي الى المريض ، وعيناه مغمضتان نصف اغماضة وهو من حين الى حين يقلب جسمه الى الوراء على الكرسي المتحركة فتسبب صريراً مزعجاً . وكان العليل يتوقف قليلاً وقد ارتجفت يداه فيفتح الطبيب عينيه مشجعاً فيتابع العليل حديثه :
— ايريد السيدان اقول الصحيح كله ؟ ساحاول الكلام دون ان انسى شيئاً مما حدث في هذه الحقبة الاخيرة لان ذاكرتي اصبحت تخونني .
— كنا في البدء نعيش عيشاً حسناً ، عيش الفقراء طبعاً ، ننام باكراً ونستيقظ مع الفجر ونقتصد في الانفاق من هنا ومن هناك .. ولكننا كنا في رغد ، فهنالك ايام الآحاد والاعياد وساعات السينما . وكانت زوجتي انيتا ربة بيت واماً طيبة .. تعمل دون ما انقطاع ، واولادنا يبدون حسانا تفوح منهم رائحة النظافة ، كانت الدراهم تتكاثر بين يديها لانها ساعدتني بالخياطة على نفقات البيت وكانت موهوبة في هذا الفن فامتلأ بيتنا بسيدات الطبقة الرفيعة .
اما اولادنا ، فماريّا ، كانت تنال في المدرسة علامات جيدة ، ومع انها في الرابعة عشرة من عمرها فان جسمها النامي اظهرها اكبر مما هي . كانت زوجتي تحلم بادخالها دار المعلمات لتصبح استاذة . واما كارلوس فكان على صغر جسمه متقدماً في دروسه . والصغيرة لويزا كانت طفلة تطوف نهاراً في البيت مستندة على الجدران ، وفي الليل تلتصق بي لاحكي لها حكاية .
وهنا ارتجف صوت العليل وارتعشت يداه ثم اكمل :
— لقد شعرت بعد تلك الايام ان كل هذا كان « سعادة » .. كنت اشتغل كثيراً وسروري الواحد ان ارى عائلتي تنمو وتتقدم ، فلا اضع رأسي على الوسادة الا لانام نوماً عميقاً هانئاً .
في احد الايام بينما كنا على المائدة طلعت علي زوجتي بفكرة كانت تدور في رأسها منذ امد طويل قالت :
— لماذا لا نشتري بيتاً باقساط شهرية صغيرة ؟
قلت لها لاننا لا نملك مالا ولان عملي كميكانيكي في المرآب غير دائم قالت : ان اجور البيوت نكبة ، لان ما ندفعه يذهب ولا يعود . وهكذا غلب رأيها كما في كل مرة ، وقبلت الفكرة وكنت احسبها بعيدة التطبيق . ثم استعنت بصاحب العمل فدلني على شركة عقارية واخذني بنفسه الى بيت حديث البناء ذي جنينة صغيرة امامية واخرى وراء البيت ، ومطبخ ابيض وحمام كما في بيوت المترفين . فجنت زوجتي فرحاً واخذت تضاعف عملها وتقتصد لتقنعني اننا لن « نزهق » في دفع الاقساط .
وتمت الصفقة . ولا ازال اذكر ليلتنا الاولى في بيتنا الجديد .. كنا في غرفتنا وقد استلقيت على سريري وانبنا في ثياب النوم وهي تأبى الرقاد وتتكلم .. وتتكلم .. وتمشي في الغرفة ذهاباً واياباً وتضع التصاميم وتقول : سنربي الفراخ في زاوية الحديقة ونفعل كذا وكذا . سأرفع قليلاً اجور الخياطة لان « زبوناتي » اصبحن كثرة . هل تذكر البيت الصغير في الفيلم الاخير ؟ والستائر الجميلة على النوافذ ؟ سأخيط مثلها واكويها بالنشاء و .. و ..
واخيراً رقدت ، فاطفأت النور ولكنني لاحظت انها لم تنم لفرط الفرح .
ومع اني هادئ الطبع فقد اشتعلت مثلها حماسة للبيت الجديد . كانت الارض والابواب والنوافذ تلمع لفرط العناية وتجللت النوافذ بالستائر الجميلة ، وبنيت في الحديقة بيتاً للفراخ وزرعت الخضار وكانت الايام تمر دون ان نشعر بها .
لما جاء الميلاد اقنا للاولاد حفلة صغيرة وعند منتصف الليل اشعلنا الشموع في الشجرة واطفأنا الانوار . كان المشهد جميلاً ، والسعادة ترفرف حولي حتى حسبت اني احضر فيلماً او رواية او اسمع حكاية من حكايات الجنيات . وبغتة شعرت بشيء يشد على عنقي وتصاعدت الدموع الى عيني فخجلت من البكاء امام اولادي فخرجت الى الحديقة . اذكر سماء تلك الليلة المنيرة وظلال الورود البيضاء على التراب والراديو في البيت يذيع
