انشودة كلها شعور وجمال ، وهتاف الاولاد وهم يصفقون ثم صوت انيتا وقد اخذت تتكلم بهدوء وخشوع . فاشعلت لفافة وكانت كفاي مبللتين بالدمع . ثم جاءت انيتا فخيل الي ان ثوبها اشد بياضاً وانه ينشر النور .. فلمستها باحترام كما لو كانت السيدة العذراء قد ظهرت لي في ليلة الميلاد . على ان انيتا لم تكن تشعر بعظمتها فقالت ببساطتها المعتادة :
— لقد استولى عليك التأثر .. رأيت هذا .. اننا جدّ السعداء حتى لا نشعر اننا لا نستحقّ !
ثم تعانقنا واذا بها تبكي . كان منظر السماء بنجومها المتقاربة منظراً جنونياً ، فشعرت بداخلي بقوة روحية وخيل الي انني قادر على رفع البيت على ذراعي !!
وسكت ، فنهض الطبيب ومشى نحو النافذة ، فقال العليل بصوت متكسر :
— ان الانسان ليتكلم عن هذه الاشياء كما لو انه يعيش من جديد . ارى انني ازعجت حضرة الدكتور ، هل علي ان امر فوق هذه الاحداث او اروي كل شيء ؟ .
فاجابه الطبيب :
— ارو كل ما تحفظه الذاكرة أجيداً كان ام رديئاً .
على انه لم يقل للعليل انه في تلك الساعة لم يكن طبيب الامراض العصبية وحدها . لم يقل ان هناك حب الاستطلاع الدهري ، « والانسان » المنحني فوق بؤس البشر وسعادتهم يبرق التحليل في الباصرة ، البرق الواحد في كل الحالات .
وعاد الطبيب الى كرسيه وعادت يدا العليل ترتعشان وترتمشان ، فاغمض الطبيب عينيه ليهدئ من روعه . فبدأ واخذ يروي كيف ان كل شيء كان يحدث طبق الحساب ، وكيف كانت الاقساط تدفع في حينها وماكينة انيتا تطرق الى ساعة متأخرة من الليل ، وكل الحياة هناء وصفاء . الى ان جاء يوم اصيب الابن كارلوس بذات الرئة :
— استدعينا طبيباً وعندما دخل بيتنا دخل معه الهم . لم يكن هذا الطبيب شريراً . كان مثل سائر الناس الذين يجيئون ان يربحوا من عملهم ، وهذا حق . ان البنّا يربح من رصف الحجارة والمهندس من بناء الجسور ، والكل يتحرك بدافع المصلحة . ان الناس يدركون ان هذا حق وعدل على انني لا اتصور هذا الطبيب منحنياً فوق سرير ولدي الا وافكر بالغراب .
ويبتسم الطبيب ويفكر انه هو نفسه غراب غريب ابيض يسمع بشوق حكاية هذا العليل الفقير ، حكاية بؤس هذا « الانسان » المجهول وقد انقطع عن كل ما حوله الا عن ذكرياته .
— وفقد ولدي العافية ، لقد نجا من ذات الرئة ولكنه
اصبح كالحرفة المهترئة .. فاصفر لونه وغارت عيناه وظهرت عظامه . وانهمرت الوصفات والابر ، والصور على الاشعة المجهولة وفحوص البصاق في المختبرات . وفي احد الايام قال لي الطبيب بنبرة طبيعية كما لو كان يتكلم عن الطقس :
— يا سيد ارماندو ان ابنك مصاب بالسل الرئوي !
واخذته الى المصح في مدينة القديس يوسف ، فدفعت اجرة شهر واوصيت به الطبيب والممرضات وعدت وانا اعزي نفسي ان شفاءه هو خير تعويض لكل تضحية مالية .
اما انيتا فتبدلت منذ ذلك اليوم . كانت تشتغل بشجاعة ليلا نهاراً وظهرها منحن فوق آلة الخياطة . ورحت افتش عن عمل اضافي ليلي لافي ديوني وقد تراكمت بسبب نفقات المستشفى والادوية .
واحيانا كنت ارقد تعباً فلا انام لكثرة التفكير ، والحظ ان زوجتي لا تنام ، ولكننا لم نكن لنفوه بكلمة اعتقاداً منا ان الكلام يزيد في آلامنا . فكان سكوتنا كأن ملاءة تنشر فوق مصيبتنا فلا نراها بتمامها . كان بيننا شبه اتفاق فلم نتكلم مرة عن الولد . بعد شهرين من دخوله المصح ذهبت انيتا لتعوده وعادت محمرة العينين وصعدت الى غرفتها دون ان تذوق طعاماً . فلحقت بها . كانت مستلقية في الظلام تبكي بهدوء ، فلم اقل شيئاً بل اخذت يدها في يدي ، كان جلدها ناشفاً جافاً فتذكرت ايام الخطبة عندما كانت ناعمة كالمخمل وكنت المسها بخوف لئلا اؤذيها . واخذت اطلب عفوها . عفوها عن ماذا ؟ لست ادري . ولكني طلبت عفوها لشعوري انني مسئول نوعاً عن هذا كله . فبكت طويلا طويلا دون شكوى . بكت حتى احسست انها تقطع قلبي واخيراً تكلمت فقالت ان الولد يتحسن ولكن لا بد من تدبير الدراهم ، لا بد من الزبدة والفاكهة والبيض بكثرة .
وفي ليلة قالت زوجتي :
— اسمع يا ارماندو ان ردهة البيت الامامية لا تفيدنا كثيراً . في الامكان ان استقبل زبائني في غرفة المائدة ، ونحن ، بعد ، لسنا من اهل الترف .
فوافقتها ونشرت اعلانا في جريدة فجاءنا مستأجر جليل رقيق الجانب خفيف الظل ، يأكل في اوقات خاصة ويضيع بين الكتب . بقي في بيتنا ثلاثة شهور ثم ذهب الى مدينة في الداخلية . كان ذهابه فجائياً وكنا في حاجة قصوى الى اجرة الغرفة فاضطررنا الى وضع اعلان جديد في الجرائد .
عندما وصلت الى البيت في المساء قالت زوجتي :
