- لا تقدر ان تتصور اي حدث غريب وقع اليوم . جاءني مستأجر للغرفة ، عظيم الثروة وغريب المظهر . دفع لي ضعف ما طلبت وقال لي انه لا يريد طعاماً .
لم افهم ، فطلبت من زوجتي ان تروي لي الحكاية بتمامها فتكلمت عن سيارة فخمة وقفت بالباب ونزل منها رجل انيق مهذب ، سرَّ بالبيت لان فيه اولاداً وليس كسائر البيوت التي عرضت عليه . ثم دفع ستين ليرة اجرة الشهر الواحد .
قلت وقد شعرت بتيار بارد يمر في سلسلتي الفقرية :
- ستون ليرة ولا يأكل في البيت ؟
- هو هذا ما وجدته غريباً . قال انه يريد الغرفة كملجأ لعدة ساعات فقط بعيداً عن ضوضاء المدينة ، وانه رأى البيت جميلاً وانه سيرسل فراشاً ليهيء الردهة حسب ذوقه وانه سيستقبل فيها شخصاً رفيعاً ممتازاً .
عند هذا هرب الدم من اطرافي وتجمع في رأسي ، فحملقت في زوجتي مشدوهة وسألت اذا كنت لم اصب بضربة شمس ، فأشفقت على طهارتها . مسكينة انيتا ما اطهرها وانقى قلبها ! ثم فسرت لها فظاعة ما طلب الرجل ولكنها لم ترد ان تصغي ، بل قالت ان الاجهاد في العمل يغير من تفكيري وان رجلا مهذبا مثل هذا لا يقدر ان يرمي الى شيء سافل .
كنت كمن اصيب بدوار ، فجلست على الكرسي ونظرت حولي الى بيتي الجميل الرتيب ، ثم نظرت امامي فرأيت زوجة متعبة لكثرة الاجهاد ، زوجة هرمة ، بتجعدات عميقة حول فمها وتلك الكآبة المنتشرة على وجهها . فكرت انها « سيدة » وانها ارفع واسمى من كل النساء اللامعات بالجواهر ، المطوَّفات بسياراتهن الفخمة ، وان رجلا من اهل الصغارة تمكن من ان يعرض عليها ذلك العرض الشائن . فجمعت قبضتي وشعرت بحاجة الى ان اسحق الحياة وهذا الذي لا يعلم الناس اذا كان هو القدر ، هذا الشيء الشبيه بقوة تهبط من فوق ماحقة . شعرت بحاجة الى ان اضرب ضرب عشواء . لا اذكر تماما ماذا قلت . ولكنني رأيت زوجتي تتراجع وتلتصق بالحائط وتحدق بي مصعوقة كما لو اني اصبت بجنة .
★
يا سيدي الدكتور عندما افكر بتلك الايام ، يخيل الي انها مغطاة بستار اسود ، واحس المرارة في فمي . كبيرة هذه المحنة تنزل على رجل واحد .....
ذهبت يوم احد الى المصح افتقد كارلوس ، وجدت الصغير مرحاً قوياً ، ولكن المدير قال انه يشعر بالحمى ليلا لهذا استعملوا له النيموتوراكس «le pneumothorax» وعلي ان ادفع مبلغاً اضافيا قدره ١٤٠٠ غرش ...
عندما رجعنا في القطار اخذت زوجتي تكلمني خائفة ، ثم تتوقف وتنظر من النافذة الى الظلام وقد بدأ يلف الحقول الخضراء والبيوت الصغيرة الجميلة المسقوفة بالقرميد الاحمر . فتكلمت وتكلمت ورجرجة العجلات تضخم نبراتها :
- ارماندو ! من اين لنا المال اللازم لهذا الشهر ؟ هل تقصد ان تستدين مجدداً ؟ ان الغرفة ما تزال دون ايجار .
- ارماندو ! ليس لكارلوس ثياب دافئة لايام البرد ، عليَّ ان اشتري حاجته منها .
- ارماندو ! لا ازال احتفظ بعنوان ذلك الرجل . ارماندو هل تسامحني اذا قلت لك اني بالامس ذهبت اليه وقلت له اني سأحملك على القبول فوعدني ان يدفع مقدماً ايجار ثلاثة شهور ؟
عدت الى البيت والحمى تتأكلني . لازمت السرير اربعة ايام ارادت انيتا ان تنادي الطبيب فمنعتها ، كانت تروح وتجيء تحمل لي الشاي والدواء وتنظر الي نظرة شحاذ يطلب الرحمة . عندما نهضت سألتها عن الرجل قالت انه جاء يوماً وقال انه وجد غرفة في مكان ما ، ولكنه يفضل بيتنا بسبب وجود الاولاد ووجود لافتة الخياطة على الباب الخارجي وهذا يبعد الشبهات .
نظرت الى زوجتي لارى اذا كانت هي حقاً التي تسرد كل هذه الوقاحات . رأيت انها فاهمة ما تعني وانها تقبل كل شيء . ففهمت نظرتي وقالت بهدوء :
- يا ارماندو ! ليس للفقراء ان يستمتعوا بما يشاؤون . نحن الان فقراء بسبب مرض كارلوس واقساط البيت المتوجب دفعها شهرياً . نحن قوم شرفاء وسنظل شرفاء . لنحسب ان هذه الغرفة ليست في بيتنا ، نؤجرها وبعد يفعل بها المستأجر ما يشاء - نحن نريد الكرامة . هو الذي يستقبل زواره لا نحن ! ان للغرفة مدخلاً مستقلاً فلن نتعرف الى شيء ...
احنيت راسي مقهوراً ، ووجهي يضطرم خجلاً .
★
ثم جاء عمّال ، واخذوا يعملون المطارق ويعلقون الستائر . وجيء بالاثاث .
في احد الايام وضعت انيتا في كفي ١٨٠ ليرة - ايجار ثلاثة شهور .
