ومنذ ... استولى علي الهدوء ، ولم اعد اقوى على الكلام . شعرت ان حياتي انتهت .
في احدى الليالي قالت لي بنتي ماريا :
- لقد دعتني دونا مود للذهاب الى السينما معها يوم الثلاثاء .
فنظرت زوجتي اليها نظرة قاسية ، فلم تفهم البنية فاعادت الكرة :
- هل تسمحين بالذهاب ؟
عندما صعدت الى غرفتي كانت الخيالات تتراقص في راسي . خيل الي ان في الغرفة المأجورة امرأة ذات وجه كوجه الشيطان دهن بكل الاصباغ . كانت جالسة مع ابنتي على طرف السرير ، وكانت تقبلها ثم جاءت زوجتي واخذت مكان البنية وجعلت تساعد المرأة على لبس ثيابها . وثمة رجل خليع وقف هنالك يتفرج ...
عندما صعدت انيتا الي امسكت بمعصميها وصرخت :
- للغرفة مدخل مستقل ؟ إيه ؟ لن نتعرف الى شيء ! إيه ؟ وتتركين بنتنا تتكلم مع هذه المرأة ؟
فأخذت تقول اني واهم . وان الدونا مود هي احدى زبائنها ولكنني كنت واثقاً من كذبها ، ومن كون الدونا مود هي السيدة « الممتازة » التي كان ينتظرها المستأجر في يومي الاربعاء والسبت .
وغدوت كمن دخل فيه شيطان ، فبدأت ارمي الاشياء ارضاً وانيتا تبكي وتستجدي ، فخرجت الى الشارع دون ما غاية ومشيت ... ومشيت والكل كان يمشي معي ... الاشجار والناس وكل شيء . وكلهم كانوا يتكلمون ويتهموني قائلين « انك رجل ضعيف ، وبيتك مأوى لاهل الهوى ... لاهل الهوى » !
وصعدت في قطار كهربائي ونزلت في قلب المدينة ومنها الى احد الاحياء ... وكان في نافذة ما امرأة سوداء من المولدات(١) فأومأت الي فصعدت الى بيتها . كانت خليعة من ذوات الدهن والشحم والاصباغ ... فكرت بانيتا وقلت في سري :
عائلة .. وابناء .. زوجة واحدة ، حبيبة العمر ! كل هذا اصبح اليوم مثل كل شيء !
ومنذ ، يا سيدي الدكتور ، شعرت ان شيئاً في داخل سريرتي ولّى وانقضى ! ولم اعد اتفوه بكلمة او اسأل عن امر ، واخذ الناس ينظرون الي كما الى كائن عجيب . وكثيراً ما اسمع اثناء مروري في الشوارع اصواتاً تقول :
- انك رجل فاجر وقح ! فاعود الى نفسي واسمع صوتي باذني ، وانظر حولي فاذا المارة يتطلعون الي مندهشين .
وفي الكاراج بدأت احس باعباء شديد ، فكنت اتوقف عن العمل واغرق في عالم من الافكار . ويوماً دعاني اليه صاحب العمل وسألني عما بي ولماذا تبدلت حالي . فاجبته : هي شؤون عائلية ، ثم خرجت بعنف وانا احاذر ان تلتقي عيني بتلك النظرة الواثقة ، نظرة الرجل الشريف .
ثم امرّ العليل على جبينه منديلاً مسح به العرق المتصبب :
- يا سيدي الدكتور ، لقد وصلت الى حالة يصعب تفسيرها . اخال اني آلم من اعصابي فليس من الطبيعي لرجل صحيح الجسم ان يفقد ارادته ويعيش في حالة الخمول الذهني الذي اعيش فيه .
في احد الايام عدت من عملي فالتقيت هذه المرأة على الباب الخارجي . فنظرت الي وابتسمت ثم احنت رأسها بالتحية . لم تكن صبية ، كان لها عينان حلوتان ووجه يفيض نعومة . في الحديقة التقيت الرجل فقال بارتباك : مساء الخير !
دخلت البيت فاذا بزوجتي ترتب الردهة المأجورة . فجلست في غرفة المائدة المظلمة دون ان ادير ازرار النور . فتصورت انيتا تصلح ملاءات السرير وترتب الوسائد وأرعبني اني لم اشعر بتلك الثورة في نفسي ولم أحس بألم .
كنت في ما مضى من ايامي اضع الامور في اماكنها .. فمن جهة كان الشر ، ومن جهة كان الخير . فالاخيار كانوا في نظري اخياراً ، والاشرار اشراراً . كان كل شيء صريحاً دون ريب ولا مواربة . ومر في خيالي وجه الدونا انيتا وهو غير ما كنت اتصور . وجه بسيط دون اصباغ ، وجه صريح وعين ثابتة . هي تخرج من بيتها وتلتقي بعشيقها كأية امرأة خليعة ، وتخدع زوجها .
... وكل هذا يجري في بيتي انا ! واتناول جعالة لقاءه !
وتولاني الرعب ثانية ، لبرودتي تجاه هذه التصورات .. وبغتة نهضت ، فتصورت يدي زوجتي تصلحان مخدع
