عرض، مؤلم بقدر ما هو واقعي، لحياة العمال «في منطقة عمل معروفة في ضواحي بيروت». غايته كما يقول الكاتب «لا دينونة ولا حكم - نحن لا ندين أحداً - بل لفت نظر المسؤولين، والمسؤولون هم نحن جميعاً»، الى مشكلة من ابرز مشاكلنا الاجتماعية.
المرأة حتى اليوم في بلادنا لا «تصوت». بيد ان صوتها قد يبلغ من الآذان والقلوب والضمائر ما لا يبلغه ضجيج «المصوتين». وهذا ما دفعني لأن النبي الطلب حين سئلت تقريراً عن حالة العمال في منطقة عمل معروفة في ضواحي بيروت.
هو تقرير. والتقرير يحمل ارقاماً ويرسم توجيهات ويكتفي. اما الارقام فقد جمعتها من «تحريات» قمت بها في عائلات العمال باخلاص تام وبما امكنني من دقة. اما التوجيهات فلن اتعرض لها، ولعل الارقام توحي شيئاً منها.
١ - حالة السكن
من ٢٠٦ عائلات مجموعة في رعية واحدة، ٣١ عائلة فقط تسكن اكثر من غرفة، منها ٦ في ثلاث والباقي في غرفتين، مع العلم بان ٧ عائلات من هذه الفئة الاخيرة يتراوح عدد افرادها بين ٨ و ١٤ شخصاً. اما المئة والخمس وسبعون عائلة الباقية فتسكن كل منها غرفة واحدة.
ومن ٦٣ عائلة موزعة في ثلاث رعايا مختلفة، ٢٢ عائلة تسكن اكثر من غرفة منها ٨ ملك ساكنيها.
* تعدّ الـ ٢٠٦ عائلة هذه ١٠٦٢ شخصاً
والـ ٦٣ عائلة ٤٦١، أي بمعدل ٥ و ٧ اشخاص للعائلة الواحدة: من هذا ترى انها عيل مبروكة!.. بينا تنعم عائلات دونها «بركة» بالبيوت الواسعة والغرف الشاغرة.
* اجار الغرفة الواحدة بين ٢٠ و ٢٥ ليرة لبنانية في الشهر. وهي مبنية من «اللين» (حجر الباتون)، ترشح الرطوبة من افضلها بناء في الشتاء، ويجعل منها حرّ الصيف ورطوبته «مخامر» بشرية. ولا هم لمن بناها بالفن والتجميل ولا بالاحتياطات الصحية الضرورية ولا باجراء الاصلاحات عند اللزوم: انما همه فيما تنتج هذه الغرف وان يقبض الاجار في حينه.
* هذا «جميل» يسكن غرفة تحت الارض لا تصلح قنأ لدجاجات صاحبة الملك، طولها ثلاثة امتار وعرضها متر ونصف. جدرانها غير مكلسة ولا ترى الشمس لا في شروق ولا في غروب. يدفع اجارها عشر ليرات في الشهر. كنت اتفقده يوماً فلحظت في وجه طفله الصغير (هم اربعة في القن!) اثار عضات بارزة عرفت انها عضات جرادين. لقد ساءها ولا شك ان يدخل عليها مستأجر غريب فراحت تهاجمهم وتسترق العضات الثارية من طفلهم الصغير.
* للسيد م. بناية في المنطقة تضم ٢٨ عائلة في صفين من الغرف فتخالها ثكنة عسكرية. البناية بلا كهرباء، فقام المستأجرون يطالبون السيد م. بالنور لغرفهم فأبى. عرضوا عليه حلولاً كثيرة منها ان يساهموا بتكاليف تركيب الكهرباء
او ان يركبوها على نفقتهم لقاء اذن لهم من صاحب الملك، فلم يرض بجل بل ادار ظهره مردداً: بلا كهرباء دخلتم وبلا كهرباء تخرجون. فاغلظوا له الكلام فقال فيهم انهم جماعة بلا مربى ولا تهذيب وليس عندهم خوف الله!
* ولكن ما لنا ولهذه الامور الآن. فلنعد الى الارقام.
٦٣ عائلة ينامون في ٣٤٨ فرشة أي بمعدل ٥ فرشات لسبعة. مع العلم بان التوزيع غير عادل. فانك لتجد عائلات مؤلفة من تسعة افراد ليس لها سوى خمس فرشات، وغيرها من اربعة عشر شخصاً عندهم ثماني فرشات فقط. ثماني فرشات مطروحة في ارض الغرفة حتى لا تجد بينها فسحة تضع فيها رجلك.
فما تكون الصحة في هذه العائلات وما تكون الآداب؟ وابة راحة يذوقها شغيل الليل في غرفة هي مشغل ومطبخ ومائدة ومنام وغرفة استقبال؟ والمنطقة تكثر فيها المصانع وفيها اكثر من مصنع يعمل ليل نهار. وقد افادتني تحرياتي لدى عدد من العمال انهم لا ينعمون عادة باكثر من ٣ أو ٤ ساعات نوم لقاء ٩ و ١٠ و ١٢ ساعة عمل!
٢ - ساعات العمل والاجور
قلت: ٩ و ١٠ و ١٢ ساعة لان ساعات العمل المحدودة قانوناً لا يجدها بالواقع سوى ارادة صاحب العمل وحاجة العمال. يكثر الشغل «فيضطر» رب العمل لتمديد ساعات العمل. وان لم يعجبك فانطح الحائط اذا شئت وبعد الحائط بوابة المعمل. فعلى البوابة من يجلّ محلك قبل ان يبرد مطرحك!..
وتهبط اسعار العمل - وقد هبطت بالواقع الى حيث لم يعد للهبوط مجال - فيضطر العامل لأن يعمل ساعات اضافية. والساعات الاضافية ساعات مثل غيرها
