ولا ميزة لساعة عن ساعة . فالعقرب يدور والآلة تدور والارض تدور الدورة ذاتها .
- وقانون العمل ، تقول ، وقانون العمل ! ماذا يصبح وكيف يمسي في مثل هذه المخالفات ؟
الطريق المؤدي الى الفوضى سهلة وباب خرق القانون واسع . يمكنك ان تخرق القانون ما طاب لك وانت ضمن القانون . فشغّل عمالك - مثلاً - بضعة اشهر وعطلهم بضعة ايام وطار التعويض وراسك سالم !.. واقطع عمالك كمية من العمل تجعلهم يعملون اثني عشرة ساعة بكل امتنان . فتكون بحجر اصبت ارنبين بل ثلاثة : ضاعفت ربحك وأمنت للعامل اجرته وحفظت القانون ايضاً ، والكل ممنون .
واول ممنون هو العامل . فالساعات الثاني القانونية ، البغيضة ، لا تدرّ عليه الا ليرتين او ليرتين ونصف الليرة واذا « شقت بطنها » فثلاثاً . بينما يحصل الخمس ليرات اذا عمل اثني عشرة ساعة . والخمس ليرات تحكي . وبالخمس ليرات حياة او بعض الحياة لمن يريد الحياة .
- لا تؤاخذوني بهذه اللهجة الساخرة اكاد انسى ان هذا تقرير . ولكن النقد طبع وامر سهل ، في كل يد له معول وقل من يبني .
لنعد الى الارقام .
٣ - التغذية
بطالة وفوضى عمل واجور شحيحة واسعار معيشة ترتفع وترتفع : فقابض الليرتين والثلاث ، هذا المحظوظ ، مضطر لأن يشتري اوقية اللحم بسبعين وكيلو الخبز الاسمر بخمسة واربعين والكوسى واللوبيا والبندوره وسواها من الخضروات بلا اقل من خمسين . فكيف يتغذى ويعيش ؟ بل تراه يتقوت ويتعيش .
جوعة شبعة !.. مثل : في مدرسة تعد ٢١٥ تلميذا لم يستطع احد اطباء الصليب الاحمر ان يحصي اكثر من ثلاثين تبدو على وجوههم علامات التغذية الكافية . وقد دفعني الفضول لأن اتحرى ايضا ما يأكل هؤلاء الاولاد في بيوتهم . فوجدت ان بين الـ ٦٣ عائلة المذكورة ٢٢ يطبخون باللحم مرة واحدة في الاسبوع و٣٣ مرتين وثاني عائلات فقط اكثر من مرتين . ولقد عجبت لرواج السعتر والزيت للترويقة : يبدو انه يفتح الذهن وينبه الافكار !
وكم مرة سألت احد هؤلاء الصغار : ماذا تعشيت البارحة ؟ فيجيبني ببعض الحياد وبساطة كلية : البارحة لم نتعش فقد تعوق الخبز في الفرن ، هذا ما قالته الماما . اجل ، هذا تقوله « الماما » لتعلل اولادها وتخدع بؤسها .
- هذه وقائع اشهد امام الله انها حقيقة وهي بعض الحقيقة . فالعامل اللبناني كما نعهده عزيز النفس يستحي بفقره فيستره على عينك بكثير من الحيلة . وهو لا يبخل على نفسه واولاده اذا طالت يده : قيمة الشيء عنده وجوده فقد لا يكون عنده عشاء ليلة ويأبى الا ان يظهر بمظهر المكتفي من خير الله وان يقدم لك القهوة مثل الناس .
★
اما بعد فقد سئلت تقريراً فهل هذا الذي كتبته تقرير . لست اجرؤ ان اسميه تقريراً ولا شيئاً غير التقرير . هي بعض ارقام ، ولمحات ، وملاحظات غايتها لا دينونة ولا حكم - نحن لا ندين احداً - بل لفت نظر المسؤولين ، والمسؤولون هم نحن جميعاً ، واستدراجهم لان ينتبهوا الى ان في لبنان مشكلة عمل وضيقة عمال فلا يمكننا ان نتغاضى عنها ، فهي مشكلتنا وينبغي ان تكون ضيقتنا .
★★★
