يقول مثل قديم : « ما الطفل إلا شيء مقدس » . إن هذه الفكرة كانت تسيطر على العمل التربوي في العائلة القديمة ، وإننا لأكثر حاجة إليها في أيامنا هذه .
ما هو الطفل ؟ وماذا يمثل للأهل وللهيئة الاجتماعية ؟
الطفل للأهل هو ثمرة اتحادهم المقدس وتتمة تمنياتهم ومسرة بيتهم وعكاز شيخوختهم والمحافظ على تراث العائلة والجنس .
والطفل للهيئة الاجتماعية هو أمل الغد البسام وفخر الوطن .
مقدسة هي الأمومة ومقدس هو الطفل ومقدسة رسالة الأم .
وما هي رسالة الأم ؟
إنها تكوين وتنمية جسم الطفل ، إنها تكوين وتنمية ذكائه ، إنها خصوصاً تكوين وتنمية قلبه وإرادته .
وسأحصر حديثي عن هذه الرسالة الأخيرة . سأحاول بفضل خبرتي الفنية إن أبين بإخلاص معنى هذه الرسالة والدور المستمر الذي تلعبه الأم في هذا المضمار والتأثير الذي لها على روح الطفل — هذا التأثير الذي يطبعه بطابع يرافقه مدى الحياة .
متى تبدأ تربية قلب الطفل ؟
جوابي صريح وبدون تردد : قبل الولادة ! فكما أن الطفل يرث من والديه طبعهم وأخلاقهم المعنوية مع ميولهم المعينة وطابعهم العائلي الخاص ،
فإنه كذلك يرث منهم المفهوم المعنوي المتحمس أو الفاتر الذي يميزهم .
ينصح البعض الأم العتيدة أن تجنب التأثر وأن تحول نظرها عن كل قبيح مرذول وأن تحاط بالجمال والبشر حتى يتم تكوين جنينها على الوجه الأكمل . هذا شيء جميل ولكنه لا يكفي إذ أن من الواجب على المرأة حالما تأمل الأمومة أن تشعر بالمسؤولية المترتبة عليها تجاه المخلوق الذي ينبض في أحشائها . يجب عليها أن تسهر على وضعيتها المعنوية الخاصة . فالتكوين الجسماني الذي بدأ في وليدها يرافقه تكوين نفسه وقلبه .
حبذا لو فكرت الأمهات جدياً بعظمة رسالتهن إذن لكان نشء المستقبل مفخرة الدنيا .
قال أن الجمال الخارجي الذي يحيط بالأم والبهجة التي تغمر قلبها يؤثران كل التأثير على الجنين ، فكيف بتأثير الديانة على التكوين الروحي ؟
ها هو الطفل بيننا ، وها هي تلك العاطفة الكاملة الناصعة ، أجل عاطفة خلقها الله . الحب ، تغمره ؛ ذلك الحب الذي لا ينضب معينه والذي تعرف منه الأم دوماً مدى الحياة كنوز عطفها وحنوها وتفهمها ، تلك الكنوز التي تجعل من هذا المخلوق إنساناً .
فإذا قيض الله للطفل أماً واعية ومفكرة ، أماً بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، أخذ عنها منذ نعومة أظفاره معنى الحب الذي لا حد له والذي لا يطلب البدل .
وبواسطة هذا الحب يتعلم الطفل أن العالم ليس معادياً بكليته وأن هناك أيدي سمحاء وأناساً يمكن الاعتماد ، وما أجل أن يبدأ الإنسان حياته بهذه الفكرة .
فقد أميل إلى الاعتقاد أن المتفائلين الذين مهما أسودت الأيام في وجههم ومهما أدلهمت الخطوب لم ييأسوا هم الذين حضنتهم أم طيبة . وبالعكس فالأم الشيمة العاجزة هي مصنع المتشائمين والمترجرجين .
وهنا اسمحوا لي قبل أن أتابع البحث أن أذكر بعض الأخطاء التي يرتكبها الأهل منذ أول عهد الطفولة . وأولها وأكثرها — خلق الولد المدلل . الولد الذي لم يتعود أن يعاند والذي تمت فيه ملكة العناد والسيطرة ، وما أخطر هذه الملكة في قلب الطفل . فالأخلاق تتكون منذ الأيام الأولى وبعد سنة تكون خلقت طفلاً لين العريكة يتقبل التربية أولاً يعترف بها .
كثيراً ما أسمع : « هذه لا تأثير لها على أولادها فالإطباع هي الإطباع ولا سبيل لتغييرها » . ولكن في كثير من الأحوال قد يكون هذا التغيير ممكناً في بداية التربية تلك التي لا تنكرها الأهمية الكبرى .
علينا أن نعود الطفل منذ أول يوم في حياته على احترام النظام المرسوم له حتى يتمكن عند اللزوم من الطاعة والتضحية دون تذمر ولا إكراه .
وبالنتيجة فالتربية الأولى التي هي أساس التكوين المعنوي تبدأ منذ المهد .
متى يتوجب علينا أن نعطي الطفل فكرة عن الله ؟ يخال لي أن هذه الفكرة يحين وقتها عندما يبدأ الطفل بفهم ما يحيط به ، أي عندما يبدأ يميز والديه وأخوانه وأخواته . يعترض البعض على هذه الفكرة بقولهم أنه من الأفضل بأن لا نضع هذه الفكرة في رأس الطفل ولا غيرها من المسائل الدينية التي لا يفهم منها شيئاً ، فمسائل الدين مسائل صعبة الإدراك لا يجوز خوضها قبل نضوج العقل . وعلى ذلك نجيب : أن هذا الاعتراض الذي يدعي أن فكرة الله هي فكرة فلسفية فوق إدراك الطفل وأن المنطق العملي لا يخضع لفهم المسائل الفلسفية هو اعتراض لا مبرر له .
وأنه لمن الخطأ أن ندعي أن الأولاد يدركون فكرة الله عندما ينشأون بصورة أكمل وقد أيد ذلك المربون الخبيرون بأمور النفوس البريئة وهم يقولون أن هذه النفوس البريئة تقتبس فكرة الله بصورة أفضل وتقترب منه لأنها في هذه السن لم تتدنس بعد بأدران الإنسانية ولم تعمها بعد الشهوات .
إذن يجب إدخال فكرة الله في قلب الطفل منذ نعومة أظفاره دون إغفال تربية إرادته وذكائه في نفس الوقت ، فتؤلف التربية بهذه الصورة كلاً كاملاً يؤدي الرسالة العميقة التي لا
