
صورة حية من صميم الواقع، مرفوعة الى اولئك الذين يعملون جاهدين خلق مجتمع افضل، علّ في مبادئهم الاصلاحية نصيباً لهؤلاء التعساء.
« لشدّ ما تغير كل هذا »: قالها رؤوف ببطء وقد وقف ذاهلاً ينقل بصره هنا وهناك. وكان في قوله صادقاً، نعم لشد ما تغير كل هذا. فالشارع الطويل العريض لم يكن على ما هو عليه من فخامة. وهذه العمارات الضخمة، وهذه الحوانيت الحافلة، وتلك المقاهي المنتشرة على الجانبين، كل هذا جديد عليه. اذ لم يكن له وجود قبل سنوات تسع... حقاً لقد تغير كل شيء.
لكن لِمَ العجب وقد امتدت يد التغيير اليه هو الآخر؟ انه لم يكن على ما هو عليه الآن بالمرة، كان.. كان.. اوه ما اصعب ان يتذكر.. بل ما امرّ الذكرى عليه.. ودفع الرجل يده في جيبه الداخلي واخرج من بين مجموعة من الاوراق صورة له مثّله شاباً يقطر من وجهه ماء الحياة، وفي عينيه ابتسامة تغازلها الاماني وتداعبها الآمال العريضة. انه لا يكاد يصدق ان كان له هذا الوجه.
وتأوه بحرقة واعاد الصورة الى موضعها في جيبه الرث.. واخذ يمر بيده
على صفحة وجهه متحسساً، ثم القى نظرة آسية على البذلة التي يرتديها والتي كان لها حظ من الاناقة يوماً ما. اما الآن فهي حائلة اللون، يضجّ ضيقها بقالبه.
نعم لقد امتدت يد التغيير حتى الى جسمه. كان رشيقاً خفيفاً، اما الآن فاين الرشاقة من هذا الجسم الغليظ؟ واين الرقة من هذه العضلات النافرة، بل اين ذاك الشاب القسيم الوسيم من هذا الرجل الذي لا يزال يحمل في وجهه ورأسه آثار السجن؟ الوجه الذي لم يعرف الحلاقة لأيام، والرأس الذي كان يُكتب عليه بحلقه كلما استطال شعره بضع مليمترات.
اوه تباً للحياة، لشد ما أمثلها، ولشد ما تنكرت له.
وزفر الرجل، ثم دفع نفسه وسار، الى اين؟ لا يدري. حسن ان يمشي ويمشي. ثم يلتفت بين حين وحين ليرى فيما اذا كان متبوعاً بذلك الجندي الفظّ الذي كان مع بندقيته الرهيبة الزم له ظله لتسع سنوات، واذ يتحقق من عدم وجوده يقتطف من شفتيه ابتسامة يؤكد بها انه قد اصبح حراً حقاً.. فعليه ان ينعم بهذه الحرية التي اغدقت عليه صباح اليوم، وهو قد وفى للسجن دينه الى آخر دقيقة...
وطوى رؤوف في سيره اكثر شوارع المدينة، يسرع تارة ويتمهل اخرى، يجمع كل ما يصادفه بنظرة فضول. كطفل صغير تفتحت عيناه على عوالم كل ما فيها جديد عليه.
واخذه التعب اخيراً، بعد سير ساعات سبع متواليات. وتلفت حوله يبغي مكاناً يصيب فيه راحة يسترجع بها نشاط ساقيه. فاختار مجلساً قرب سياج مغروس محيط بحديقة معطار تتوسطها (فيلا) انيقة.
واستراح في الظل ساعة وبعض الساعة، اصاب خلالها اغفاءة قصيرة، نهض بعدها ليواصل سيره الى اي مكان يجد فيه ما يؤكل، فقد أحس بالجوع يقرض امعاءه. انه يملك ثمن وجبات معدودة يسكت بها نداء معدته يومين أو ثلاثة، وبعدها... ولكن حبه ان يفكر في الحاضر فقط. الحاضر القريب جداً وبعدها سيرى ما يكون من شأنه مع هذه الدنيا..
وسار بضع خطوات على الافريز، وكان بصره يتطاول الى ما وراء السياج المعروش حتى اصبح في موازاة باب الحديقة الحديدي، الذي ثبتت عليه لافتة نحاسية صغيرة تحمل اسماً ما.
وقرأ الاسم بدافع العادة ليس الا. وخطا خطوة جديدة لم يلبث بعدها ان تراجع وقرأ الاسم للمرة الثانية والثالثة والرابعة وهو يحملق في دهشة. يا الله.. هذا الاسم.. انه يعني اشياء بالنسبة اليه. انه نقطة التحول في حياته... ودارت رأس الرجل وتسمرت عيناه على اللافتة النحاسية اللامعة، وكأنه يستعرض على