صفحتها جيوشاً من الذكريات، خيل اليه انها تطل عليه من خلال تلك اللوحة.
★
شاب صغير، ينحني على كتبه يلتهم سطورها التهاماً، ولا يكاد يرفع عينيه المجهدتين الا ليبصر امه مكبة على آلة الخياطة، فيرمقها بنظرة حنان. ثم يكبّ على كتبه ثانية، فلا اقل من ان يكافيء امه بنجاحه، لقد تعبت من اجله ستة عشر عاماً متواصلة، منذ ان توفي ابوه دون ان يخلف له سوى رحمة الله، وهذه الأم التي بذلت من شبابها وصحتها لتكفل له ما يسد مقتضيات الحياة.
وانهى الفتى دراسته وعاد اليها ذات يوم ملوحاً بشهادته ودموع الفرح تتناثر من مقلتيه وهو يصيح - اماه نحّي جانباً هذه الآلة اللعينة،.. فلا عمل بعد اليوم.. فانا رجلك.
وسارت به الحياة بعدها ناعمة في غير اسراف، فقد وفق الى وظيفة باحد المصارف وهناك عرف نجيباً. فارتبط معه برباط صداقة ومحبة، وكان كل منهما الزم للاخر من ظله، يرى رؤوف فيه اخاً اكبر يمحضه النصح ويتولاه بالارشاد. وليته ما عرفه، اذن لاستقامت به الطريق، وما كان اغناه عن نصح أعوج وارشاد ملغوم. وعن ذلك الهمس الذي طالما صبه نجيب في اذن رؤوف. ولطالما اصم الاخير اذنيه عن السماع. وكانت (كلا) سلاحه الوحيد في وجه الاغراء.. ماذا؟ أيشترك في اختلاس؟ كلا وألف كلا، انه يستنكر هذا بشدة، ولا يتصور نفسه يقدم عليه، بل يرتجف لمجرد التفكير بالامر..
واستمر الاغراء قوياً ملحاً. ودام اياماً وشهوراً، وبدأت (كلا) تفقد تلك النبرة القوية القاطعة.. وتسربت الليونة الى صلابة رؤوف، واخذت النزاهة تموت في نفسه رويداً رويداً..
واخيراً وقع المحظور.. ولكن تقدرون فتضحك الاقدار.
لقد قبض عليه - أو عليهم فقد كانوا جماعة، - وهم يعدون العدة للفرار وكانت فضيحة مخزية، وكانت دموع كثيرة ذرفتها الأم حسرة والتياعاً، وكان نصيب الفتى (من الغنيمة..) سنوات تسعاً يقضها ضيفاً كريماً.. على أحد السجون. اما نجيب فقد كان الوحيد الذي

