
لم تثبت عليه ادلة الاتهام فخرج من المعمعة مبرأ الساحة .. طاهر الاذيال .
★
ورفع رؤوف عينيه عن اللوحة النحاسية واستدار فجأة على صوت وقوف محرك سيارة انيقة واذ ببابها يفتح ويخرج منها ... نجيب ..
يا لغرابة المصادفات ، انه هو بعينه ، وقامته ، اللهم الا هذه المسحة من العظمة التي تكسو وجهه ..
وتقدم من باب الدار وحدج الغريب الواقف بنظرة كبرياء وقال :
- ماذا تفعل هنا يا رجل ؟
وابتسم رؤوف ببرود وقال : - سبحان الله .. الا تعرفني يا نجيب ؟
وجحظت عينا نجيب وصاح وهو يكذب عينيه ... من ؟ رؤوف ؟ اراك هنا .. أ .. أعني متى غادرت سجنك ؟
- اليوم .
وتمالك نجيب نفسه وقال بتصميم -
حسناً وماذا تريد ؟
- انشد معونتك .
- تنشد معونتي ؟ ها ها .. اسمع يا رؤوف : اظنك قد استطعت التخمين بأني اصبحت من ذوي المراكز ، واظنك توافقني بأنه ليس من صالحي ان اقرن اسمي باسمك الان . فالافضل لك ان تبتعد عن طريقي .. اسامع انت ؟ والآن خذ هذا .
ومد يده الى جيبه وتناول قطعة نقود فضية طوّح بها في الهواء فاستقرت عند قدمي رؤوف الذي اخذ ينقل بصره بينها
وبين وجه نجيب ثم قال وعاملا الغيظ والنقمة يتجاذبانه :
- دعها في جيبك ايها النذل .. فلست بحاجة الى كرمك !
وهز رؤوف رأسه آسفاً .. ومضى .. ولكن الى اين يمضي ؟ لقد كان يطمع في معونة نجيب اما الآن وبعد ان خيّب هذا اللئيم ظنه فليس امامه من سبيل سوى اللجوء الى ابن عم له يستظل بسقفه اياماً ريثما تستقر به الحياة على حال .
وطرق باب ابن العم وليته لم يفعل ، فقد اتاه الجواب اقسى وقعاً من طعن المدى :
- ان سقفي لا يظلل مجرمين .. فامض من حيث اتيت .
ومضى .. يطرق الابواب بحثاً عن
عمل .. نفس السؤال ونفس الجواب في كل مرة .. هل من وظيفة يا سيدي ؟
وينظر اليه المسؤولون نظرة المتفحصين فلا تقع عيونهم الا على هيئة ليس في زرايتها ما يبعث على الارتياح .. فتنفرج شفة كل منهم عن كلمة واحدة تقطع من نفسه خيط الأمل الواهي ( آسف ) ..
وكلت قدماه من السعي وجف لسانه من السؤال ..
وبدأ يجوع ، والجوع كافر ، وبدأ يزهد بهذه الحرية التي طالما داعبته في احلامه .
اهذي هي الدنيا التي صورها له ( واعظ السجن ) اما رؤوما تبارك من يأتيها نادما مستغفراً دافئاً ماضيه في
