وفن من ارقى الفنون الجميلة ، كالشعر والتصوير والموسيقى .. فن اذا ما اتقن كان متعة روحية مليئة بالنشوة .
انه شعر يستمتع به ناظم القصيدة وسامعها ، موسيقى تريح الاعصاب او تثيرها ، رسم يولد في النفس الارتياح او النفور .
رأيت الناس حولي كل يحمل قيثارته ويعزف عليها ، بعضهم يعزف النغم النشاز وبعضهم الموفق ، بعضهم الجاف وبعضهم الحنون ، فتساءلت ، أي الانغام تعزف قيثارتي وأي اثر في الناس تترك ..؟ ثم رحت ادرس نفسي دراسة دقيقة لاعرف عيوبها ، ما خفي منها وما ظهر ، لعلي اعمل بالحكمة القائلة : اعرف نفسك ... اختليت بقيثارتي افحصها فاذا باخطائها كثيرة فرحت احاول اصلاحها لعلي ادخل بفني قلوب الناس .
عرفت نفسي تتألم فتشكو اما تصريحاً واما تلميحاً فقلت : ما احقر الشكوى وما اذل الشاكي ، لقد كانت جدتي على جهلها وفي التسعين من عمرها تردد ، الشكوى لغير الله مذله .. وتذكرت ان لكل فرد من الناس شكواه وآلامه ، فلو تركنا احاديثنا تتركز حول آلامنا لأصبح مجتمعنا مجرد آهات وزفرات ... وهكذا خنقت شكواي . اغلقت علي
وعليها باب غرفتي او حملتها الى الهواء الطلق لاحدث الاشجار عنها ، ثم وضعت قناعي الضاحك وخرجت الى الناس محدثة باشة فقالوا ما اسعدها واسعد محضرها ..
وعرفتني اتحدث عن نفسي فقلت : وهذه التي تسمعي الا تجول في نفسها رغبة كرغبتي ..؟ واندفعت احدث الناس عن انفسهم فتبسطوا في الحديث ، واصغيت ، وشجعت ، وآسيت ، فقال الناس ما ابرعها محدثة ومع ذلك فانني ما زدت على ان تركت الناس يتحدثون ...
عرفت الأم الشابة يسعدها ان تتحدث عن اطفالها ، والفتاة عن الغد وآمالها ، والشابة المقبلة على الزواج عن فتى احلامها ومعدات عرسها ، والأم الشيخة عن الاماني التي حققتها ... تحدث الجميع عما يحبون فقضوا ساعات متعة معي ، لانهم رددوا فيها صدى اماني قلوبهم .
عرفت الناس ، وفيهم الآمل والبائس ، الصحيح والمريض ، فسعدت مع الآمل ، وشعرت مع البائس ، وفهمت ان اسمى ما في الحياة هو ان تدخل على البائس الحزين فتتركه وقد وهبته شيئاً من الراحة ، او على المريض فتخرج وقد تركته احسن حالاً .. ان تزرع الامل في القلوب وتفرج عن الناس . وتذكرت قصة المريض المتألم من ركبته وكيف
عاده صديق متفلسف فقال : لقد كنت اعرف بيتاً من الشعر ولكنني نسيت صدره وبقي في ذاكرتي عجزه وهو :
وليس لداء الركبتين دواء ! فصاح المريض المسكين الا ليتك نسيت عجز البيت كما نسيت صدره .
وعرفت ان للناس حساً دقيقاً فهم يلمسون مقدار ما في احاديثك من عاطفة صادقة او مزيفة ، من شعور معهم واخلاص لهم ، وعطف عليهم ، واهتمام بتحقيق امانيهم ، وهكذا رحت اصلح داخلي ، لأحب الناس حقاً ، واخلص لهم ، واهتم بهم ، واشعر معهم حقاً ، فتصبح احاديثي صورة صادقة لما في نفسي ، لا صفة مزوقة .
وعرفت ان للناس عقولاً ، فهم يميزون مقدار ما في عقلك من ذكاء وفهم ، او غباء وادعاء ، فيعجبون او يزدرون .. وهكذا رحت اجدّ لعلي اجعل من عقلي شيئاً يستحق الاعجاب والتقدير ..
عرفت الناس انواعاً ، فيهم المثقف الذي لا تلذه الا الاحاديث الرفيعة ، والساذج الذي تلذه احاديث دنياه الخاصة به فصعدت الى مستوى الاول ، وتحدثنا عن آخر ما نشرت الصحف وابتكر العالم واخترع ، والّف ونظم .. ونزلت الى مستوى الثاني فحدثته عن اسعار الفجل والليمون .. حدثت جارتي
