بائعة الحليب عن بقرائها ، وخياطتي عن فساتينها فسعد الجميع ، وقالوا ما ابرعها محدثة ، مع اني ما زدت على ان درست نفسيات الناس ، وثقفت نفسي قليلاً .
وعرفت ان اسلوب الحديث حسن عرض الفكرة ، أو القصة أو النكتة ، وعرضها باختصار غير ممل ، وبصوت رنان يجذب الانتباه ، وعرضها في الدقيقة المناسبة والظرف المناسب كلها عوامل لا تثمن ، وتذكرت قول طه حسين : الافكار التي تعرض عرضاً سيئاً تفقد قيمتها ؛ وتذكرت كذلك قول الشاعر يصف غادة طلبة الحديث فيقول :
من الحفرات البيض ودّ جليسها
اذا ما انتهت احدوثة لو تعيدها
عرفت ان الحديث هو ثلاثة ارباع الجمال ، فقد تتكلم الجميلة فيقال ، ليته ظلت صامتة ، وقد تتكلم غير الجميلة فيكاد الناس يصيحون احشوا فمها درّاً ... والحقيقة اني ما نظرت مرة الى جميلة تتصدر قاعة وكل ما فيها من شعرها وثوبها حتى اخمص حذائها غاية في الاناقة ، الا وانتظرت ان تتكلم ، حتى اذا ما راحت تتلفظ بما يحسن وما لا يحسن ، قلت ليتها ظلت صامتة ، اذاً لاحتفظت من التماثيل بروعتها .
وعرفت كذلك ان الحديث هو ثلاثة ارباع تقدير الناس واحترامهم أو ازدرائهم . هو صورة لخفاياك ونوع المخلوق الذي هو انت ، فلقد تكون حكيماً او احمقاً لا سمح الله ، مثقفاً أو جاهلاً ، رقيقاً لطيفاً أو فظاً غليظاً ظريف النكتة او خشنها ، فتظل
كالصندوق المقفل حتى تتكلم فتبدو كما انت . وفي الامثال الروسية مثل جميل يقول : يستقبلون الانسان على قدر ثيابه ويودعونه على قدر عقله .
وبعد ، انحسبينه فناً سهلاً .. ؟ اما انا فلا .. لقد كنت في فجر شبابي اصمت ، واصمت دليل التأدب ، ثم اصبحت اتكلم واتكلم لابرهن للناس غروراً مني على انني افهم في كل موضوع ، اما اليوم فاصبحت وقد علمتني الحياة كثيراً ولا تزال تعلمني ، احذر ، واتردد في الخوض في اي موضوع .
ولي بعد كل ذلك مع نفسي جلسات وحساب لا يقل عن حساب ناكر ونكير في اليوم الاخير ، ذلك لانني فهمت ان
اخطائي لا تزال كثيرة ، فهمت ان جراحات السنان لها التئام : ولا يلتئم ما جرح اللسان ، فهمت اني بحديثي ارتفع وبه انخفض ، به احب وبه اكره ، به اكسب الاصدقاء وبه اخسرهم ، به يرفرف السلام على منزلي او العداء والخصام .
كلا يا سيدتي ، ليس هو بالفن السهل وصدقيني ، اني لو خيرت لادخلته في المدارس فناً يدرس ، وجعلت من طلابه حلقات ، يستقبلون الاغراب والاقرباء ، ويجربون ان يتحدثوا اليهم وينجحوا ، وتقدم لهم عليه درجات وعلامات .
انه فن من ارقى الفنون ، لانه موسيقى المجتمع ، وروحه .

