ان عدد الاشخاص الذين يرفضون التسليم بفائدة التربية الجنسية اكثر مما نتصوره بكثير. فمعظم الاهل والمربين يعتبرون ان مجرد الشرح العلمي لسر الحب ينذر بافساد خيال الشبيبة وتهديه. على اني اعتبر ان الجهل ليس طهارة، بل هو خطأ او على الاقل تقصير يمكن ان يؤدي الى اوخم العواقب. معلوم ان التربية الجنسية تأتي بصعوبات كبيرة ولكن يجب ان لا تثنينا هذه الصعوبات. وأسرع بالقول: ان الايضاحات العلمية التي هي اساس كل تربية جنسية يجب ان تباشر بنفس الصراحة مع البنات والصبيان. فالفتاة الحديثة لم تعد ذلك الحمل الغر كما كانت في القديم. انها تتمتع بحرية توازي حرية رفاقها من الجنس القوي ويلزم ان توازيهم بالتسلح. وان اخفاء الحقائق الاساسية للحياة الجنسية عن الاولاد لا ترجع فقط الى النفاق والجبن، بل هي في اكثر الاحيان ناتجة عن جهل الاهلين والمربين. وعدم كفاءة الكبار في هذا المضمار، تجعل الصغار معدومي الثقة بهم، فيتجنبوهم ويفقدون الامل من مصارحتهم في حين انهم لو حصلوا على نصيحة لاستناروا ولأمنوا.
يروي القاضي الشهير «بان لندسي» احد كبار الاخصائيين في تحليل جرائم الاحداث وفي التربية الجنسية، يروي لنا القصة التالية:
... «زارته ذات يوم تلميذة لا تكاد تبلغ الخامسة عشرة من عمرها، واسرت اليه بأن رجلاً
قد طلب منها ان تكون خليلته. قالت: اتيت اليك لتنصحني. فأني لا اجرؤ على استشارة اهلي لانهم سوف لا يجيبوني بغير الصراخ وسوء المعاملة. على اني اود ان اعرف ... هل يغير احدنا ارادته في ان يفكر لنفسه بنفسه؟ اود ان اعرف رأيك واذا اعجبتني نصائحك اخذت بها.»
ولا ريب في ان القاضي لم يجد صعوبة في افهام البنت أي اخطار تنتظرها من تلك المجازفة وأي عواقب وخيمة محتومة تنتج عن حياة جنسية تباشر قبل الاوان.
ان تربية الولد الجنسية يجب ان تبدأ عند مراهقته، في الوقت الذي يبدأ فيه بتلقي الاحساسات الاولى عن العالم الذي يحيط به. ومن اراد ان يربي ولداً عليه قبل كل شيء ان يعرفه. ربما كان هذا الكلام من البداهة بحيث انه يبدو مبتذلاً. ولكنه مع ذلك بعيد عن كونه حدثاً عاماً. فكثير من الاهل وكثير من المربين لا يكلفون انفسهم مشقة العناية بدرس الولد الذين هم مسؤولون عن تربيته.
فالصبي في نظرهم صبي والبنت بنت ولا شيء بعد ذاك، هم يتغافلون عن الفروق الدقيقة والدرجات اللامتناهية التي تخلقها الوراثة والتي تكوّن الشخصية الجنسية للولد. لا ادري كيف الفت النظر كفاية الى اهمية «الشخصية الجنسية» هذه. فهي عندي اساسية وهامة جداً لانها، في اخر الامر، هي التي توجه النمو المقبل للكائن الانساني وتحدده.
واليكم فيما يلي بعض الارشادات التي يجب مراعاتها كقواعد للسنين الاولى من الطفولة:
١ - اجتنبوا الاختلاط في المأوى مهما كلف الامر. ٢ - لا تجعلوا الالبسة بارزة الاختلاف بين الجنسين، وارى ان الاقدمين كانوا على حق في فرضهم اللباس
نفسه للبنات والصبيان حتى سن المراهقة.
٣ - لا تحاولوا ان تجعلوا من ابنكم البالغ خمس أو ست سنوات «رجلاً صغيراً» مضحكاً، وان تعطوه فكرة مفرطة عن شخصه على حساب اخته الصغيرة.
٤ - لا تزرعوا في نفوس اطفالكم روح الخجل والخوف من العري، بل نموا عندهم الغريزة المضادة: الا وهي ان كل شيء طبيعي طاهر وجميل. واذا لم يكن مجرد النظر الى العري مضراً فان النظر الى الصلات الجنسية بين البالغين - اذا قُدر للولد ان يراها - يمكن ان يفجع شعوره باثر لا مرد لاثره.
ان اهمية هذه الارشادات تتجلى خاصة في حالة الاولاد المطبوعين على بعض الظواهر المشتركة بين الجنسين، او بعض عيوب المراهقين كالعادة السرية مثلاً. وفي الحالة الاخيرة خصوصاً، ينبغي ان يقوّم الميل السيء بصبر ولطف، لا بالتهويل والتخويف كما يحصل - ويا للاسف - غالباً.
لقد سمعنا كثيراً عن «البلوغ القلق» ولست بحاجة الى الوقوف طويلاً عند ظواهره وتعقيداته العديدة. فهناك درجات لا تنتهي بما يسمونه «مرض الشباب» فمن الحالات العاطفية الزائدة والتهيج الحاد الموقت - وهذا يجد ذاته لا يتعدى كونه امراً طبيعياً - الى العصلب (*) الجنسي، ظاهرة اختلال التوازن الذي ينذر باتخاذ اشكال اشد خطراً فيما بعد. هذا الاختلال يظهر غالباً في الاولاد المصابين بالمراهقة السابقة لاوانها.
وقد كان على محاكم الاولاد - كما اشرت اليه سابقاً - ان تنظر في جرائم واساءات ناتجة في معظمها عن نضوج اسرع من الطبيعي. ان مخيلة هؤلاء

