لوجود الشرفة التي كنا فيها قبالة مقاعد المتفرجين ، واخذت اليونور وليفيا تضحكان مني ، فرحت اجهد نفسي وافكر في امور مفرحة ، واغرقت انفي المحمر في قبة ردائي واخذت دموعي تتساقط قطرة ، قطرة ، فوق الجوخ الاخضر . وهنا ، ينجدني ابي فيلمس كتفي لمسة خفيفة ويقول :
- تعالي قربي ، هنا الى مؤخرة الشرفة ، فالمكان خير من الذي انت فيه .
واجلس الى جانبه ، ويزيد في تأثري عطفه عليّ ، هذا العطف الصامت ، الساهر ، العفوي ، واروح افكر عندما ضاعت يدي الصغيرة المرتجفة في يده القوية ، انه الشخص الوحيد في العالم الذي يفهمني ، فتدبّ فيّ حرارة لذيذة ...
ثم ظهرت على المرسح الممثلة « ألما روبنز » بابتسامتها الهاربة ، وقوامها المضطرب ، وفمها المتأسي الحزين ؛ فتمنّيت لو اصير مثلها يوم اغدو صبية ولو يكون لي جمال حركتها الرفيع ! وانّى لي ذلك ووجهي المستدير ، المليء صحة ، يختلف عن ذلك الوجه البيضاوي الصافي ، المحاط بذلك الاطار من الشعر الاسود الجميل .
كان ابي اثناء التمثيل يربت على يدي ، « وألما روبنز » تتألم اذ تعانق ضابطاً من مشوّهي الحرب ، والموسيقى ترافق بخفوت مشاهد الكآبة والاسى ، ودموعي تتابع قطرات كبيرة ، وروح الفن الكامنة فيّ تتجسد شيئاً فشيئاً .
« في اميركا اللاتينية عبادة ذات ثلاثة اقانيم ، هم يعبدون الله ، ويتمرغون في حبه ، ويستسلمون اليه ؛ لسائر الاقطار المسيحية ان تحسدهم على ايمان لم ار اعمق منه ولا ابهى ، ولا اعلق بالنفوس . ويعبدون المرأة ... ويعبدون الموسيقى ، تلك الراقية الرفيعة ، وانك لتراهم ، واميركا الشمالية تحاول غزوهم بالموسيقى الجديدة ، هذه الصاخبة ، الوقحة ، الفاجرة ، المتهكمة ، يجهدون في دفعها ويتعلقون باحب الاموات اليهم اطلاقاً :

