« الكوخ » كلمة لا زالت تطرق مسامعنا منذ ان عكفنا على الدراسات الاجتماعية . ومع ذلك فاننا لا ندرك معناها تمام الادراك ولا نشعر برهبة ما تنطوي عليه من حقيقة فادحة . وكثيراً ما تعرفنا الى انواع الحياة التي يحياها الفقراء ، ومررنا بمساكنهم الحقيرة بل كثيراً ما دخلناها ، ولكن ما كنا ننتظر اسوأ ما رأينا الا حين انصرفنا الى دراسة « الكوخ » وسكان الكوخ دراسة عميقة متأنية .
وتكفينا بعض الجولات في مخيم السريان ، وغيرها في حي الكرنتينا والمسلخ ، لنقف على الهول والعذاب والمسكنة التي يعانيها المساكين الساكنون في هذه الامكنة البائسة .
وسوف نعرض على قرائنا الاعزاء حالة هؤلاء المعذبين دون ان نلجأ الى مفاهيم سياسية مذهبية ، او نظرات فلسفية ، بل سنعرضها باختصار ووضوح . ها نحن الان في مخيم السريان وهو مخيم نعرفه حق المعرفة بسبب خدمتنا في اتحاد « حماية الطفولة والامومة » ، ومع هذا فقد اكتشفنا اخيراً معلومات جديدة عن اشخاص ظلوا غرباء عن دائرة نشاطنا الاجتماعي ؛ مثل هذا المسكين « كريم » وهو رجل في الاربعين من عمره يعيش وحيداً في كوخه بدون امرأة ولا ولد ، لذلك ما كنا لنتصل فيه لنعرض عليه خدماتنا الامومية والطفولية لولا ان مست الرحمة والشفقة بعض الجيران فقالوا ( عليكن ان تزرن « كريم » ) فذهبنا . استقبلنا رجل يكاد يكون
مقعداً بسبب التيفوئيد - هكذا قالت لنا الجارات - ، يعبر بصعوبة عن افكاره بالتركية - وذلك بسبب التيفوئيد ايضاً - . وهو يسكن في كوخ يشبه ( بيت الادب ) ولا بأس بظهره الخارجي . فبدلاً عن الجدران المبنية من الواح التنك والحشب كانت جدرانه من الطين والبانون . ولكن ما كان اعظم دهشتنا حين القينا نظرة على الداخل . فقد كان كوخ كريم عبارة عن زاوية من زوايا بيت او كوخ آخر أشفق اهله على « كريم » فتركوها له . فكيف كان يمكن لهذا المسكين ان يتمدد في هذه الزاوية ؟ فقد كان طول بيت كريم متراً ونصف المتر وعرضه متراً وارتفاعه متراً و ٧٥ سنتمتراً .
اما فراش « كريم » فمؤلف من بعض الخرق البالية والاهدام القذرة وفي احدى جدران الكوخ ثغرة صغيرة تترك سبيلاً لتسرب النور والهواء والمطر في ايام الشتاء . وليس هناك طبعاً لا كهرباء ولا ماء . اما المراحيض المشتركة مع الجيران ، فمسرح رحب للجرذان الشاردة التي تزوره لترقص رقصاتها الليلية ثم تنطلق للنزهة على صدور النائمين !
كان كريم يفصل لنا هذه الاخبار الحلوة وهو يجبل الوحل ليصلح الجدران ويخفف من رقصات الجرذان الليلية .
وقبل ان نغادر كريم ونستودعه الله القينا نظرة اخرى على مسكنه البائس فرأينا وسط مظاهر البؤس القاتم صورتين لمرشحين في الانتخابات : شارل حلو ، وموسى فربج ، معلقتين في الحائط تبتسمان
ببراءة وطهر : وقد خطر لي ان هذين النائبين قد لا يعلمان ابداً انه يوجد رجال من اخوانهم ومنتخبيهم يعيشون كما يعيش « كريم » .
وانتقلنا الى غيره من الاكواخ فرأينا ان بعض الاسر طمعاً في النجاة من رطوبة التراب والحفر وقساوة الحجارة واقذار الاوحال قد انشأت مراتب من الحشب ترتفع بها عن الارض، وانها تركت حيزاً من التراب في مدخل الغرفة تضع فيه صندوق الحوائج العتيق او الطناجر او بابور الكاز . هكذا تسكن اسرة سليم التي سكنت في بادئ الامر في غرفة سلم احدى البنايات وهو مكان محصور من كل نواحيه . ثم عادت وحلت في هذا الكوخ وطوله متران وارتفاعه متران ونصف المتر . وقد نعجب اذا علمنا ان ستة اشخاص يسكنون هذا الكوخ : الزوجة والولدان الكبيران وفتاة في الثانية عشرة من عمرها وطفل في الرابعة من العمر وطفلة متبناة تبلغ الثامنة من العمر . وليس في هذا الكوخ غرفة حمام ولا مطبخ ولا ماء . بل فيها مربع طوله ٧٥ سنتمتراً عند المدخل يتيح للاولاد ان يستحموا بعد اغلاق الباب ، دون ان تغمر المياه المرتبة الحشبية والحصر والفراش . اما المرحاض فمرتب ونظيف بشهادة الزوجة التي قالت « انه متصل بالمجارير » قالتها بفخر واعتزاز ! ذلك لان سائر الاكواخ ليس لها الا حفر تتجمع فيها الاقذار وتفرغ كل مدة .
نصل الان الى كوخ شبيه بالاكواخ السابقة . وهو كوخ جميلة .
جميلة امرأة تعيش مع زوجها دون اولاد . وما ان تصل الى كوخ جميلة حتى يخالجك احساس بان هذين الزوجين ليسا على شيء من البؤس كأمثالهما . فغرفتها مربعة يبلغ طولها الاربعة امتار .
