– من المعلوم اني اريد .
يا لسروري عندما سمعت قعقعة اخشاب الصندوق تنتزع خشبة ، خشبة ، والاوراق تحل عن الكمان ، واحدة ، واحدة ، ويظهر بيت الكمان الملبس بالجلد الاسود في اسفل الصندوق كأنه كائن حيّ ينام . تصورت آنئذ ، أن في اوتاره المشدودة وفي ليونة قوسه المطواع تقيم كل اناشيد الدنيا .
وتناولت الكمان بيديّ المرتجفتين ، ودللته طويلاً ، ثم حملته واخذت اطوف به طائرة في ماشي البيت ، وفي ردهاته ؛ كنت شعلة من مرح وسرور ، ادور حاملة كأني في رقصة جنونية ! في غرفة المائدة اصبت بالدوار فتهالكت فوق ارجوحة الشبك المنصوبة هناك ، ورأيت امي واختي بدرن ، وكذلك رسوم الملائكة على الجدران يحملون اكاليل الازهار المجركة ، خيّل اليّ ان لا جمال يعادل جمال بيتنا ، وانني لا اسكن ذلك البيت القديم في الداخلية ، انما انا اسكن عالماً مزيناً بجميل الالوان المتناسقة ! خيل اليّ ان لاختي ليفيا جمال اهل الاولمب ، وان اختي اليونور صبية من صبايا الاحلام ، وان امي معدن الجودة .
وأبي ؟ الذي اهدى اليّ الكمان ؟ انه نصف إله !
وبدأت الدروس . ولما كنت متطرفة في كل الامور ، فقد اندفعت جسداً وروحاً نحو الفن الذي اخذت اتعلمه بسهولة مدهشة وغدوت – وأنا لا انتبه الى شيء آخر – كأني من سكان القمر .
وناداني يوماً ابي الى المكتب واقفل عليّ الباب . قال :
– جاءتني اليوم شكوى من استاذ الرياضيات ، ان رسبت وبقيت في صفك تنته دروس الكمان .
في تلك الايام كان ابي يتكلم بإيجاز مخيف .
وتملكني الرعب ! أمن الممكن حدوث هذا الامر الفظيع ؟ اترك دروس الموسيقى لان استاذاً عجوزاً بشعاً يرتأي ان « يسقطني » في الامتحان ؟ واين اجد الوقت لادرس ؟ وكيف ادرس ؟ وكيف اخرج من دنيا الخيال والاحلام لاغرق في عالم الارقام ، عالم العفاريت ؟ اتراني بعد المعزوفات الساحرة اقوى على عمليات الحساب كمستخدم صغير في دكان ؟
آه ما اشد ظلم الحياة على فتاة عطشى الى الخيال !
عندما غادرت في ذلك اليوم بيت الدونا ميرتس لم امش في الطريق المعتاد ، بل رحت امشي دون ما هدف في الشوارع والازقة . كنت ، وقد ضممت كأني الى صدري ، اشبه بأم صبية تحمي فلذة كبدها من الاشرار . كنت اسير وفي قلبي مأساة جعلت مني شهيدة . فتصورت نفسي وقد نزعوا مني الكمان ، ارفع ذراعيّ متوسلة الى والد ظالم . وكدت اتمنى لو يؤخذ مني لاجاهد في سبيله كما تتعذب فتاة مولهة في سبيل حبيبها ! واخذت اتذكر عديد المخلوقات التي جاهدت في سبيل الفن ، ورايتني اجوع في كوخ مظلم واسير على الثلج حافية القدمين .
ما اغربني من فتاة تعيش في الاحلام ولا تكتفي بحياة تسعد أختيها ، حياة السهرات الهادئة على ضوء القنديل ، آن تعزف موسيقى الاسطوانات ، وتهتز
الارجوحة ذاهبة ، آيبة ، وتستطيل الظلال على الجدران ، ويجلس ابي يتحدث مع جارنا عند طرف المائدة ، وتتجمع شلة النساء عند الطرف الآخر . كيف يسود السلام ساعة تتناول القهوة ! وتلك الحلوى من يدي طباختنا أمبيلينيا ، تلك الحلوى المعطرة « باليانسون » ، في حياتي لن اذوق مثلها !
ومع هذا كله ، فقد كان هناك ذلك الدور من عمري غير ذي طعم ! يا إلهي ! لماذا وُلد في هذا التبرّم وسمم حياتي ؟ ولماذا اظل هكذا ، لا اعرف قيمة للاشياء الا بعد ذهابها من يدي ؟
تلك الساعات ، ساعات فتوتي الاولى ليتها تعود ! ليتني اعود الى الدارة الزرقاء الكبيرة قرب الحديقة المحاطة بالدرابزون المفضّض ! ليت لي ان اعود من جديد فاتجسد فتاة تطوف في شوارع مدينة كازابرنكا « أي البيت الابيض » تحمل بين ذراعيها كائناً وتحمل في صدرها تمرداً ! تمرداً على الدروس وعلى العائلة وعلى سلطات تسيّر هذا العالم وتجعله بغيضاً الى فتاة تعيش في دنيا الاحلام .
... هل خلونا يوماً الى نفوسنا ، نحن الكبار وتساءلنا عن مدى تأثير السينما في حياة اولادنا ؟ هل استعرضنا الانطباعات المثيرة المتولدة من صور خلاعة الممثلات وجواهرهن وبذخهن و... عربهن ؟ وحكايات الهيام ؟؟ وبعض الافلام — من اولها الى آخرها — ليست سوى عواصف من مشاهد الحب المثير ؟...
ارجح انني في ذلك اليوم مشيت طويلاً ، وكاد يقترب المساء عندما وصلت قرب ذلك البيت ...
وقفت تعبة واسندت كأني على الدرابزون ، فأطلت الورود كأنها تتلصص عليّ ، وتحركت ، وقد هزها الهواء ، من جهة الى اخرى ، فشعرت
