ان مهرجاناً من الزهور يدخل من عيني الى اعماق نفسي . وظهرت وراء الورود امرأة .
كان في يدها مرشة خضراء تميلها وتترك الماء الغزير يسيل منها فوق شجيرات الحديقة . كانت قطرات الماء تبص في الاوراق اللامعة كفصوص الجواهر . وفي شعر الصبية كانت امشاط من عظم السلاحف محلاة بحبوب من الماس . كانت ترتدي ثوباً فضفاضاً يظهر تقاطيع جسمها في غير وضوح ، اما ذراعاها البيضاوان فكانتا تغلان بين الزهور في تلوٍ وفي لينٍ كما تتماوج الحيات . ووجهها الغريب الجميل ، كان يختلف عن كل وجه رأيته ! وجه منير ، عميق المعاني كالرسوم المائية . اما اهدابها فكان لها - عندما تسبلها اتقاء لوهج الشمس -
اهتزازات خفيفة كعثرات الطيور الخائفة .
قالت :
- أتحبين الورود؟
أومأت برأسي وقد تملكني الحياء . فتوجهت الى شبه خيمة عرَّش عليها النبات وعادت تحمل مقصاً قطعت لي به اربع وردات كبيرة ، شكرتها بحبة وعيناي عالقتان بوجهها . لم ار في حياتي كائناً ذي لحم وعظم كهذا الجمال .
ولكي اقول شيئاً سألت :
- هل البيت بيتك ؟
- نعم هو بيتي ، أترينه جميلاً ؟
طبعاً وجدته جميلاً كدارات السينما بقرميده الاحمر والعرائش المعانقة
لجدرانه . كانت على النوافذ الصغيرة المربعة ستائر من الاوركانزا « الشاش الهندي » المنقطة ، وامام المدخل احواض مزروعة بالعطرة الحمراء .
ثم ان الصبية لملمت ثوبها على جيدها الابيض ، وبحركة انيقة احنت رأسها احناء لطيفة وراحت تتوارى فرفعت عيني الى شعرها الذهبي والى وجه لها لا شبيه له !
وبقيت افكر فيها كما في رؤيا غريبة . ولم اكلم عنها احداً . عندما جاء الليل ودخلت غرفتي ، قررت ان اطلب من امي ان تشتري عندما تذهب الى سانباولو « كيمونا » فضفاضاً مطرزاً بالزهور وبالطيور . واغمضت عيني جاهدة ان اتصور امي في ذلك الثوب تسقي الزهور مثل تلك المرأة . لم تشبعني الرؤيا ...

