
ما لا ريب فيه ان في لبنان كتلاً تجهد في سبيل الاسعاف العام مخففة بهذا حملاً غير يسير عن عاتق الخزينة . ومن المؤسف ان اعمال هذه الكتل المبعثرة هنا وهناك لا يُنظر اليها من السلطات العليا نظرة اهتمام صحيح وعطف مرتكز على واقع ... والواقع هو ان في لبنان كتائب مرصوصة من المتطوعين والمتطوعات يعملون مجاناً ولوجه الله فقط في سبيل المريض والفقير والعاجز والاعمى ، والعيال المرهقة بتكاليف الحياة . ان مجموع هذه الكتل يتعهد منذ عشرات السنين ما يسمونه اليوم « الشؤون الاجتماعية » ويحيطونه بهالات من التقدير ويؤسسون له الدوائر وينوون جعله مصلحة كبرى من مصالح الدولة ؛ فما على الحكومة الا تنسيق هذه الكتائب ليصبح لديها جيش مجنّد ، مجاني ، وحيد من نوعه في كل اقطار الدنيا .
الشؤون الاجتماعية ؟؟ ان الرجل اللبناني والمرأة اللبنانية وضعا اسسها منذ ثمانين سنة واكثر . منذ ما ارتفع اول صوت لتأسيس حلقات تُعنى بالولد المتروك وبالمريض البائس وبالرجل العاجز وبالعائلة فقدت عمادها ، وبالفتاة المتطلعة الى الحياة وليس لديها ما تنشئ به بيتاً صغيراً تعيش فيه مع شاب وتؤسس عائلة فاضلة .
مرّت كل هذه الجهود في بالنا يوم مهرجان اليوبيل الخمسيني « لاخوية العائلات الدمشقية في بيروت » وهي الحلقة الدائبة على مساعدة الفتيات لتأسيس البيوت الجديدة وتجهيزهن بما يتيسر من أثاث وثياب .
يقول لنا جورج باز مؤرخ العائلات اللبنانية والمشاريع اللبنانية دون منازع - ان هذه الاخوية جهزت ٤٠٠ عروس واعانت ٥٠٠ عائلة واحسنت الى ٣٠٠٠ انسان ، ودفعت رواتب مدارس وسفّرت غرباء ووزعت مرتبات شهرية للعيال المعسرة ، ووفرت الدواء لمن لا يملكن ثمنه . ولم تمسك يدها عن المشردين ، من منكوبي ادنه ، الى الروس البيض ، الى مشرّدي ثورة سوريا ، الى ضحايا فلسطين . عمل فريد يقوم به اعضاؤها منذ خمسين سنة دون ما ضجيج ولا دعوى .
اما المهرجان الخمسيني الذي اقيم في مطلع هذا الصيف فقد كان من اروع الحفلات لمع فيه عدد من الادباء والادبيات ولفظت فيه السيدة اسمى طوبي خطبة عصماء لن نحرم من بعض مقاطعها قارئات هذه المجلة المقدرات ادب الاديبة الفلسطينية الناضج وتفكيرها الصافي .
وما قالت :
« ... وتلفت حولي الى دنيا الناس ، فرأيت كثيراً : ثروات تكدس ، وصناعات ومهناً تبلغ الذروة ، رأيت ساسة عظاماً وعلماء عظماء ،
فهتفت : ليست دنيانا بحاجة الى كل هذا ...
« ... ليست دنيانا بحاجة الى مهن وصناعات تكمن خلفها عقول جارة فحسب ، والا احتال العقل ودبر ، ونهش الانسان لحم الانسان ، واستغل المخلوق عرق المخلوق ، وجفت الدنيا من القسوة ، انما تحتاج دنيانا الى مهن وصناعات تكمن خلفها قلوب رحيمة ...»

« ... ليست دنيانا بحاجة الى ساسة عظماء ، يحولون الدنيا الى مجزرة كلما عنّ لهم ، يشردون الناس عن اوطانهم بجرة قلم ، ليفنى منهم من يفنى ويعيش من يبقى ، على هامش اوطان الناس ، وللثعالب اوجار ، ولطيور السماء اوكار ، انما تحتاج دنيانا الى ساسة لهم عقول جبارة ، وقلوب رحيمة ...»
« ... تحتاج دنيانا ، هذه الدنيا المحمومة التي اصبحت كتلة من شقاء ، تحتاج الى رحمة ، اخوة ، انسانية ، تحتاج الى غوص تشف وتشف الى حد ان يبدو من خلالها ذلك القبس ، تلك النفخة التي نفخت فيها من روح الله ، وعندئذ ، عندئذ فقط ، تستطيع السماء ان تهمس هكذا : انما خلقنا الانسان ليكون على صورة الله وعلى مثاله ! ...»
« ... وتلفت حولي ثانية ، ومضيت اطوي القرون الى ما قبل الفي عام ، او حوالي الفي عام ، فرأيت الدنيا كتلة من قسوة وفساد لا حد له ، وفظاعة وشر لا حد له ، وكأن كل من فيها وحوش لا يعرفون الا الافتراس .
رأيت الحاكم يحكم على المجرم فيقول : القوه الى الاسود لتمزقه ارباً ارباً ، فيهتف الشعب : وانها لمتعة لا تموت ، ثم يندفع يتفرج على الاسود تمزق الناس اشلاء وتأكل لحمها وتلحق دمها ...»
« ... رأيت بذخاً وثروة وأبهة ، وعبيداً يجلدون بالسياط لاقل هفوة ، فاذا مات الواحد