
فليس هذا ما اردت ان اقول ولكن الكلمات كانت تهرب مني.
فنهضت، وبقيت وقتاً ظهرها اليّ وعينها في الشارع، وتشاغلت بأكل الكستناء، فتوجهت نحو الزهرية واخذت ترتب الورود وتلقي عليّ اسئلة لطيفة:
- كم لك من العمر؟ هل ذهبت الى سان باولو؟ هل انت مجتهدة في دروسك؟ هل انت متدينة؟ هل اخذت القربانة الاولى؟
- اخذت القربانة الاولى ولكنني لم
اكرّس بعد، عندما اكرّس ساطلب منك ان تكوني عرابتي.
وبغتة انتشرت غمامة على وجهها الجميل، وجمدت عيناها وقد ظهر فيها الرعب وهما تنظران الى الباب، فرأيت رجلاً سميناً يتقدم نحونا. كان غريب الشكل يلبس في الوسطى خاتماً كبيراً من الماس، وسلسلة ذهبية ملآة بالتعاويذ تدلت من صدره بيضاء. رصرخ الرجل:
حبيبتي! حبيبتي!
ثم تقدم نحوها وقد بسط ذراعيه وابتسم ابتسامة غريبة تضخمت معها شفتان غليظتان، وجحظت عينان محمرتان.
كان ذلك الشكل يبعث على القرف، ودخول شخص كهذا الى البيت الانيق بدا غريباً مستهجناً فبدأت ارتعد ونفسي تحدثني بوقوع امر غير عادي. واسرعت الصبية وضمتني الى صدرها والتصقت بالجدار لتبعد المسافة بيننا وبين الزائر، ولما كان ما يزال يقترب زأرت:
- ألا ترى الصغيرة؟ قف! قف! واخرج من قبالة الباب!!
فابتعد مدهوشاً حتى النافذة. فاخذت بحركة سريعة علبة الكستناء ودفعتني خارجاً.
كانت ترتجف كمن اصيب بالملاريا، ووجهها الاصفر يؤلم القلب، فلم افهم شيئاً ولم احاول ان افهم، تركتها تقودني وعندما وصلنا الى الباب الخارجي وقفنا. فنظرت اليّ وابداً لم ار نظرة اكثر حباً واكثر حلاوة! ودفعتني بلطف، ولما صرت في الشارع رأيتها من خلال الدرابزون، فخيل اليّ انها سجينة تنظر اليّ والى العالم نظرة قلق واسى! ولم تعد لها امارات تلك العظمة التي كانت تظهرها مثل إلهة. كانت مخلوقة وضيعة تتكلم مستعطفة:
- لا تقولي لاحد، يا رزقي، انك كنت هنا. كان عليّ ان لا ادعك تدخلين هذا البيت! لقد أطعت التجربة وكان من واجبي ان اقاومها.. هو تفاؤك وطهارتك وشبهك بصغيرة عرفتها كانت تدعى ماريّا... ولكن لا عذر لي، لا! انني لن اغتفر لنفسي. لا تمرّي من هنا بعد يا حبيبتي! ان هذا الشارع لا مكان له في دنياك... دوري دورة كبيرة عندما تذهبين الى درس الموسيقى ولكن لا تمرّي من هنا بعد!
*
ومرت ليال وانا ساهرة في سريري استعيد تلك المشاهد. لم اخبر احداً مما جرى كأن شيئاً داخل سريري كان يفرض عليّ السكوت. وفي ساعات الارق كنت اهمس اسم الصبية فأشعر انه يحرق شفتي.
وكبرت فاتضح لي الامر، يوم اخذ رفيقاتي يتكلمن بهمس عن الخطيئة وعن النساء العائشات حياة الغواية.
وبقيت ذكرى هذه المرأة في حياتي. ظلت تنظر اليّ من خلال قضب الدرابزون بتينك العينين المليئتين طيبة وحلاوة ونقاء!

