من وراء هذا الميكروفون يرتفع صوت المرأة اللبنانية مهنئاً فخامة الرئيس الجليل في ذكرى ولايته اليوم ... من وراء هذا الميكروفون يرتفع صوت المرأة ، معبراً عن آمالها وامانيها في هذه المناسبة السعيدة .
ويسر المرأة اللبنانية ان تقف من نفسها موقف الفاحص المدقق ، وتعرض هذه النفس للنقد والتجريح ، لتعرف ما اذا كانت قد قصرت في اداء واجبها ، او برهنت عن تغفل وعدم نضوج ... ففي مثل هذا اليوم من كل عام تحسن المحاسبة ... ما هو الدور الذي لعبته المرأة اللبنانية في عهد الاستقلال ؟
لو كان لنا ان نقارن بين حياة المرأة اللبنانية اليوم ، وحياتها في العهد الماضي ، بين نشاطها ووعيها اليوم وما كان لها منهما قبلاً ، لما شق علينا الحكم ، بان يقظة شاملة في هذا العهد تكتنف شتى نواحي حياتها الاجتماعية والروحية ، حتى والسياسية . وان هذه اليقظة الشاملة قادت المرأة الى موقفها الحاضر من عدم الرضى ، والوقوف في وجه الرجل ، والتشبث بطلب المساواة ... وليس هذا الموقف بالذات اعتباطياً ، كما يزعم البعض ، وانما هو نتيجة لشعور حقيقي ، بان المرأة اللبنانية قد تطورت في عهد الاستقلال تطوراً ملموساً فنمت مداركها ، ووعت قضيتها وناقشتها فعلمت سر تخلفها عن اخيها الرجل ، وعلمت سر اخفاقها في اداء رسالتها الاولى ... وقادها هذا العلم الى طلب المساواة والالحاح في الطلب ، لانه لا شيء كهذا الفارق الاساسي ، من شأنه ان يقعد بالمرأة ، ويضعف معنوياتها ويقلل من ثقتها بنفسها وبامكاناتها في الحياة .
ويلاحظ ، في الاونة الاخيرة ، ان المرأة اللبنانية تعمل بصمت ، وقلما تثير ضجة حول قضيتها هذه . غير ان مظهرها هذا لا يدل على فتور همة او ضعف امل ، وانما هي في الواقع تفضل الصمت ، وتتجنب اصطداماً في الرأي بينها وبين الرجل ، وتتجنب نظرة الاستفهام في عينه . فهو حيناً ضعيف الثقة بها ، وحيناً آخر متهم اياها شتى التهم ، وبعضاً واقف الى جانبها ، مناصر لقضيتها .
اما موقف المرأة في لبنان فله وجه مغاير ... هي تذكر جيداً بانها ما قصرت يوماً في اداء واجب وطني ، وانما وعت
القضايا القومية كما وعاها الرجل ، وعالجت مشاكلها بنفس الوسائل التي عالجها الرجل ... ومن جهة ثانية ، هذه مؤسساتها الاجتماعية والثقافية والانسانية المبثوثة في طول البلاد وعرضها ، شاهد ناطق بنشاطها وبجهادها الطويل المثمر ، وبحبها للخير والحق والجمال ، فهي ابداً في خدمة هذه القيم الثلاث ، خدمة صادقة غير طامعة باجر او شكر ، غايتها الوحيدة تخفيف الآلام البشرية ، ورفع الانسانية في الانسان الى مستوى اعلى .
وهناك مخاوف الرجل التي توسوس له كل حين ، من ان المرأة متى نالت حقوقها ، ستهجر عشها العائلي وتزاحمه في جميع الاعمال . وكواحدة من نساء هذا البلد وبعقليتي النسوية ، احب ان اؤكد للرجل واطمئنه ، بان شيئاً من هذا لن يحصل ابداً . فالمرأة بغريزتها لا تفضل في العالم جواً على جو بيتها الصغير ، ولن يشغلها شيء عن رعاية خليتها بحنان ومحبة . هذه رسالة المرأة الاولى التي تحرص كل الحرص على تحقيقها والمحافظة على قداستها ، ولن تنحرف عنها في سبيل اي غرض آخر . ومن اجل هذه الرسالة بالذات تطالب المرأة اليوم بحقوقها ومساواتها . وهذه المساواة هي السبيل الوحيد لارتفاعنا في اعين صغارنا من ابناء الجيل الطالع .
واؤكد لكم ، بانه لن تستقيم نظرة الرجل الينا ، ولن يحترمنا الاحترام الذي نريده لانفسنا ... ان شيئاً من هذا لن يحصل ما لم ينشأ في بيوتنا جيل جديد من الاطفال الذين ينظرون لابويهم نظرة متساوية من حيث الاحترام ، ويقدرون اخواتهم كما يقدرون انفسهم تماماً . اما محاولة اقناع رجالنا ، بما لنا من منطق ، بعدالة قضيتنا وباهمية وجهة نظرنا هذه من الناحية التربوية ، فهي دائماً مخفقة فاشلة ، وقلما تؤتي ثماراً .
ان قضية المرأة التي تمر اليوم في مرحلتها الاخيرة هي اعمق مما يظن الرجل ، هي قضية الاستقلال بالمعنى الصحيح ، تهدف في الصميم الى خدمة العائلة وتحضيرها لحياة تليق بالامم الحرة ، تهدف الى ممارسة المساواة عملياً بين اطفالنا وعلى زرع الاحترام المتبادل بين الجنسين منذ نعومة اظفارهم .. وان شيئاً من هذا لن يتم ما لم تنل المرأة حقوقها كاملة ، فتستعيد كرامتها ، وتستعيد ثقتها بنفسها ، وتستطيع بالتالي ، متى وطدت قواها المعنوية ، ان تقف على الصخر ، فلا تعود قدماها تغرقان في الرمال ، وتؤمن مركزها في العائلة ومركز بناتها من بعدها ، ويتم التوازن في البيت ، بذلك فقط يمكننا ان نفاخر باستقلالنا ، ونحيا حياة حرة راقية .
