ان تجيئني بايقونة يسوع ذات الطراز القديم من الغرفة رقم ٢٦٤ فتجيبني ان الايقونات القديمة انتزعت كلها واستبدلت بهذه التماثيل الحديثة ـ ثم تنضاحك وتقول : يجب ان نصير « على المودة » ...
في ذلك الاسبوع رأى الطبيب الرؤوم الدكتور وديع صفدي ان لا بدّ من رفيقة تقضي الليل معي فجاءتني الاخت سوسنة بصبية يابانية اخذت شهادة التمريض ودخلت مدرسة القابلات فاتفقت معها ان تقضي الليل في غرفتي ولها ان تنام ، آن لا لزوم للسهر ، لقاء ١٥٠٠ غرش لليلة الواحدة .
كان في البانسيون حيث كنت مقيمة قبل مرضي امرأة سوداء تدعى آلتا ـ اي عاليه ـ تعمل في غسل الثياب وكيّها . وكانت تقيم مع امها العجوز وابنتها في كوخ خشبي بُني في حديقة البانسيون . فظلت بعد دخولي المستشفى تُعنى بثيابي وتزورني ليلاً بعد الفراغ من عملها .
وزارتني في احد الامساء ـ قبل اسبوع الفصح ـ ورأت الممرضة اليابانية في سرير ثان ، وكانت نائمة تغط غطيطاً مزعجاً ، كعامل عمل طول يومه في حمل الاثقال ، فسألتني من تكون الفتاة ، ولما علمت انها تنام في غرفتي وانها تتقاضاني ١٥٠٠ غرش في الليلة الواحدة قطّبت حاجبيها وقلبت شفتيها .
وعادت اليّ في صباح اليوم التالي ، وكانت الصبية اليابانية قد ذهبت الى دروسها ؛ فبادرتني فور دخولها :
ـ لم أتم طول الليل ، ولم احتمل ان اراك « تُستثمرين » هكذا ، تكلمت
الآن مع الاخت سوسنة فقالت انك انما تحتاجين الى رفيقة تقضي الليل في غرفتك وتنادي لك الراهبة ، اذا اقتضت حالتك علاج مسعف . أنا اقوم مقام هذه الصبية ، ادفعي لي ما تشائين او لا تدفعي ، اني أنا وامي وابنتي لا ننساك . اصرفي الصبية اليابانية منذ الليلة .
اعود الى عشيّة سبت النور ساعة كانت الامطار تنهمر كما السواقي وكما
الجداول . فاخذت اردّد ذلك البيت لذلك الشاعر الافرنسي :
il pleut dans mon cœur
comme il pleut sur la plaine.
وكرّت مأساة حياتي ، وتبعتها مأساة هجرة كانت سفرة قصيرة لاربعة شهور فأعلنت الحرب وها انا في السنة الخامسة.
وكرّت مأساة مصرع اخي ، ذلك المسكين الذي كان يدعى «بأبي الفقراء» ذلك الذي احسن طيلة اربعين سنة الى الطبقات البائسة من عمال وعبيد سود ،

