فكافأه ثلاثة من السود بأن ذبحوه كما
تذبح الدجاجة . واخذت ألعن تلك اليد
السوداء الجاحدة التي افقدتني الرجل
الوحيد المفروض فيه انه سيحمي ايامي .
وبغتة فتح الباب .
كان امام الباب بارافان - حاجز هواء -
يقيني المجاري عندما يفتح الباب ، واطل
راس عاليه وكان الماء يسيل من ردائها ،
فدخلت الحمام الملاصق لغرفتي ، وبلحظة
خلعت رداءها ولبست معطفاً كانت
ترتديه ليلاً فوق قميص شفاف يظهر
تكوين جسمها الاسود الجميل القوي . ثم
خلعت حذاءها المبلل ولبست خفاً
وجاءت قرب سريري وفتحت بكثير من
الخجل حقيبتها المتواضعة واخرجت منها
شيئاً لف بورقة رفيعة من التي تلف بها
هدايا الاعياد .
وقالت بصوت منخفض :
- المعذرة يا دونا سلمى . العيد غداً .
وقد احببت ان احمل لك هدية صغيرة .
- سمعتك مراراً تطلبين صورة ليسوع -
مثل تلك التي كانت في الغرفة رقم ٢٦٤ ،
نزلت الى السوق وفتشت كثيراً لاجد
هدية ترضيك وتطالها يدي . وجدت هذا
الصليب الخشبي ، كان في مخزن الهدايا
صلبان اجمل منه بكثير ولكنني لم اكن
املك الا خمسين غرشاً فجئت به اليك ،
هل تقبلينه مني ؟
وتناولت الصليب ، قطعة من
خشب الجوز فوقها مصلوب من الرصاص ،
اخذت الصليب من يد هذه السوداء التي
كنت منذ دقيقة العن جنسها وعشيرتها
وكل يد سوداء خلقها الله ، وقبل ان
ارفعه الى شفتي اخذت ذلك الراس
الاسود بين يدي وقبلت « عاليه » ،
قبلت شعرها وجبينها وخديها ، ورحت
اسفح روحي امام تلك السوداء التي
جاءتني برمز الغفران للبيض والحمر والصفر
والسود ...
ورحت في نوبة شهيق ووجيب ، في
انطلاقة حزن مكبوت ، في وثبة روح
شكور لذلك الوحي المجهول الذي دفع
عبدة ، غريبة عني ، لتحضر لي تحت وابل
الامطار رمز ذلك الحب الذي لا يعدله
حب ، رمز الصفاء لا يدانيه صفاء ، رمز
صديق الحزانى والمرضى والمتروكين
والغرباء .
ودخل في روع عاليه انني تحت تأثير
نوبة ، وانّى لها ان تفهم كيف ان هدية
صغيرة مثل هذا المفعول ، فهرولت تنادي
الاخت سوسنة فجاءت ومعها ابرة الدواء ،
وظنت بدورها انني في « نوبة » . وكلمتها
بالافرنسية عن سبب انفعالي ، فرسمت
علامة الصليب وقبلت صليبها المتدلي على
صدرها ثم قالت لصديقتي السوداء :
- ليس من بأس على الدونا سلمى يا
« آلتا » . انها تبكي لانها سعيدة ، انها
الآن تشعر بالسعادة الوحيدة التي لا
يعطيها الا يسوع .