
سوف يبلغ الكتاب أجله يوماً فتموت ، فاذا كنت كمثلنا جميعاً ، فاكبر الظن انك تخاف ان تموت ، لاعتقادك ان الموت كريه . فان كان ذلك فانت مخطىء .
فالموت ليس كريهاً ، والمرء منا يأخذه الموت اخذاً رفيقاً كما اخذته سنة النوم مئات من المرات . وحسبك ان تعلم أن الموت خلو من الالم . هكذا يقول الاطباء ، وهكذا يقول من شارفوا غمرات الموت ، وهكذا يقول الراحلون وهم في سكرات الموت ، وهكذا يقول من مات ثم ارتد حياً ، (وقد كان ذلك) .
وليس ذلك انكاراً لما يسبق الموت من آلام ، كلا فان الحشرجة البطيئة التي تصحب التهاب الرئة ، والفهقة الخانقة التي تكون في الغرق ، وكل الآلام التي تأتي مع الامراض القاتلة والجروح المهلكة ، انما هي شطر من الحياة لا من الموت . والجسم اذا ظل يجاهد متشبثاً بالحياة ، فقد تعتريه بعض الاوجاع المبرحة . والحق هو ان تلك العبارة المخوفة المألوفة التي طال سماعنا لها : « فلان يكابد غصص الموت » قد ملأت قلوب اكثرنا رعباً حتى اعتقد رأياً باطلاً ، هو ان آخر ايامنا في الحياة الدنيا واول عهدنا بالآخرة لا بد ان يكون كريهاً بشعاً .
وليسمع شهادة طبيب انكليزي من اقدر الاطباء ، هو السير جيمس جودهرت ، وقد حرص أيام كان في احد المستشفيات الكبيرة على ان يشهد احتضار كل مريض غشيته سكرة الموت . وقد انتهى الى
رأي هذا مؤداه : « ليس في الموت ما يفزع من حضرته الوفاة ، فان الحجاب الفاصل بين الدنيا والاخرة لا يعدو ان يكون غمامة رقيقة يخترقها المرء وهو لا يكاد يشعر » .
ويقول الدكتور الفرد وستر ، الاستاذ بجامعة هارفرد سابقاً ، « الموت سهل دائماً في آخره » . والسرطان مثلاً من اشد الامراض تبرجاً في آخر ايامه ، فاسمع ما يقول الدكتور هرسلي ، وهو من اشهر المتخصصين في السرطان : « ان الموت نفسه لا يصحبه شيء من الالم أو من الاوجاع التي يحس بها المرء احساساً صحيحاً بل سنتين حين نلقاه انه تحوّل مصحوب بالراحة والآمن ، تحوّل سرمدي يتم على ارفق وجه وارحمه » .
ويحدثنا بروس برتن ، وهو كاتب مشهور ، عن تجربة كهذه . فقد كان في احد المستشفيات رجل كهل مثقف ، يبرح به التهاب الرئة واظله الموت بظله ، حتى اشفى على الموت ومن حوله بعض الممرضات والاطباء ، وقد امسكوا بيديه كأنما يرجون ان يستنقذوه من مزالق الموت ، فلم يستطع احد منهم ان يتبين أحي هو أم ميت . ثم انقشعت غمامة الموت ، وعاش الرجل .
فقال بروس برتن لهذا الرجل بعد زمن : « لقد قال الاطباء يومئذ انك كنت على شفا الهاوية ، فكيف كنت تجد نفسك ؟ وماذا ساور قلبك ؟ » فقال : « لا شيء البتة ! فما كنت
ابالي امت أم حيت . وكل ما وجدته هو انني متعب اشد التعب ، فكنت اقول لنفسي : الآن استطيع ان انام » .
وهؤلاء الذين ذكرنا قد نجوا من الموت ليقصوا علينا ما لقوا - فماذا وجد الذين ذهبوا فلم يعودوا ؟ وقد تولى جماعة من العلماء دراسة « الكلمات الاخيرة » التي نطق بها ١٢٢٩ انساناً من اماثل الناس ، فكان في كل ٦٠ كلمة ، كلمة واحدة يمكن ان يقال انها تدل على شعور بالخوف أو بالالم ، اما الكلمات الباقية ، وعددها ٥٩ كلمة ، فكانت كلمات مختلفة متدرجة ما بين قلة المبالاة الى النشوة .
وقد ذكر الدكتور ادوارد هاموند كلارك في كتابه « رؤى » دراسة عجيبة للمشاعر التي تساور قلوب الذين جاء اجلهم . فمن ذلك انه اتفق مع احد مرضاه ان يذكر له ما يجده حين تغشاه سكرة الموت ، فاتفقا على اسلوب من الاشارات بالاصابع حتى يستطيع ان يجيب على الاسئلة التي يلقيها عليه حين لا يطبق كلاماً بلسانه أو ايماء برأسه . فلما اخذته غشية الموت ظل يشير بأن « لا » على السؤال الذي لم يزل يكرره الدكتور وهو : « هل تحس بآلام مبرحة ؟ »
ويقول الدكتور كارل : ان الموت لا ينزل دفعة واحدة ، فالموت مرحلتان : الموت العام أو موت المخلوق ، والموت الخاص أو موت الاعضاء . فالموت العام يأتي مع آخر خفقة من خفقات قلب الحي ، وعندئذ يبطل عمل الوظائف الرئيسية في الجسم ، وتنطفىء شخصية الحي ، ولكن كل عضو من الاعضاء يموت وحده وعلى حاله . فالعقل يموت في بضع دقائق ، واما الكلية فربما عاشت بعد ذلك ساعة أو اكثر .
والدكتور كارل يسمي المرحلة