سلاماً ، ايها الصباح ، عندما تنبثق من قلب الغسق وقد حصدت لنورك اشعة جميع الزواهر وجنيت لطيب عرفك نفحات جميع الازاهر !
سلاماً ، ايها الصباح ، عندما يرسم قلبك على طول سلسلة المقطم خط الضياء واللهب دقيقاً متعرجاً في اتساق عجيب ، كأنما هو يفصل بين العالم المتكون المحسوس وبين العالم الذي ما زال في حيز التخيل والتلون .
سلاماً ، ايها الصباح ، عندما تقبل شمسك متهادية في موكبها الوضاح تجلو عن صفحة الكون غيب الظلام وتكشف اللثام عن محيا القاهرة المتشحة بغيبوبة الاحلام . وتزيل الابهام عن قامات المنائر وقبب الاجراس بين المساكن والصروح والقصور معلنة خشوعها في اتجاهها الى العلى ، كأنما هي قضت ليلها ضارعة مبتهلة لصالح بني الانسان !
عذب انت في الخريف ، ايها الصباح عندما تبدو ناعماً ذابلاً ريان الحنان كأنك تشعر باهمية البذور التي القيت في الارض فاشتبكت هناك مع القوى الخفية في عراك عنيف لتمتص الغذاء
والمادة الضرورية لنموها ولتتكون قوة مستكملة مستقلة في ذاتها !
ومؤثر انت في الشتاء اذ تظهر حائراً قلقاً في تقلصك من سلطان الليل لخلق سلطان النهار ، مثقلا بباهظ الغموم لاضطرارك الى ايقاظ المستسلمين للراحة والغفلة والنسيان وارغامهم على معاناة الحياة وحمل اعبائها ، ومعالجة شؤونها !
وجميل انت في الربيع اذ تصحو راغداً ناصعاً ، حافلاً ببهيج الاغاريد بين الاشجار نشوان بخمرة الحيا السارية في الغصون مفتوناً بجنون اللذاذة المتفشية في كل ذرة من ذرات الوجود !
ولمعي انت في الصيف اذ تشرق رافلا في مظاهر الغلبة والانتصار . تغزو الافاق بسناء الشمس الوهاج وتدفق النور متقدماً على الكائنات وعلى الخلائق وتحدث بلغتك المستقرة قائلاً لمن يفهم : « لقد اعطيتكم كثيراً وسأعطيكم الكثير على الدوام فهيا الى الحصاد ! »
ما اشبهك بالانسان لدن خروجه من مملكة الرقاد !
اجنحة السحب في موكبك ، وقد اصطفت باصباغ الذهب والفضة والياقوت والزمرد ساجمة في الافق السنجابي لكأنها خيالات لاحلامه وتصوراته ، وقد لونتها الوان اليقظة والرجاء !
وتقلصك من ربقة الضباب الرفيق الرفيق المطبق عليك لكأنما هو تخلص من هناء الاستسلام وعذوبة الراحة ورجراج الحنان الذي يدثره في وحدته وفي هجوعه !
واشراق الشمس فيك وصعودها متدرجة في اطباق الفضاء لكأنما هو تركيز ارادته شيئاً فشيئاً وجلاء افكاره مع اطراد اليقظة وتقدم النهار وانتظام
الاعمال والمساعي !
اجعلني ، ايها الصباح ، اهلا لكل هذا السناء الذي تدفقه حوالي بباهر الرواء! اجعلني اهلا لبهجة اليقظة التي تذيعها في !
انت عظيم قوي ، ايها الصباح وانا صغيرة مضطربة فارفق بي .
احبك ايها الصباح ، فاحبني !
مقال لم ينشر بعد - عن « العالم العربي »


