إذا جاز أن نستعرض القضايا التي تشغل الرأي العام اللبناني، والأوساط النسائية منها بوجه خاص، برزت قضية حقوق المرأة السياسية في طليعة هذه القضايا. هي قضية اليوم بالذات، تتبوأ المركز الأعلى في تفكير المرأة اللبنانية - ذلك لأن المرأة علمت عن ثقة بأن هذا الفارق الكبير، بينها وبين الرجل، هو المسؤول الأول عن الفشل الذريع الذي يشمل شتى مرافق حياتنا: القومية والاجتماعية عامة، والعائلية بالمعنى الضيق..
لن أحدثكم أيها السادة والسيدات، عن مظاهر إفلاس الرجل في الحكم، وعن الويلات التي جر البلاد إليها. ولن أدعي بأن المرأة أوسع إدراكاً وأبعد حكمة، فهذا البحث ليس من اختصاصي. ولن أعدد على مسامعكم الأعمال المجيدة الصامتة التي امتدت إليها يد المرأة المواسية الحنون بحبه وتضحية، فهذا بحث ملته آذانكم حتى بات سماعه أمراً مبتذلاً مسماً...... كما وأنني سأتحاشى الدخول في نقاش ما إذا كانت المرأة في حصولها على حقوقها السياسية ستهجر عشها العائلي وتلازم البرلمان أو تزاحم الرجل في وظائف الدولة التي ما تزال حتى الآن وقفاً عليه...
هذه أمور أصبحت بديهية معروفة لكثرة ما كتب عنها، ولكثرة ما نوقشت
غير أني كواحدة من نساء هذا البلد، وبعقليتي النسوية، أحب أن أتمهل هنا هنيهة، لأؤكد للرجل، وأطمئنه للمرة الأخيرة، بأن شيئاً من هذا لن يحصل أبداً. وما دامت المرأة غريزة المرأة، فهي لن تفضل جواً في العالم على جو بيتها الصغير، ولن يشغلها شيء عن رعاية خليتها والمحافظة على قدسية رسالتها الأولى...
أما الذين توسوس لهم أفكارهم بغير ذلك فيبنون من الأوهام قصوراً وأبراجاً فهؤلاء في ضلالهم يعمهون، لا يفهمون نفسية المرأة ولا يريدون أن يفهموها، يقابلون كل حديث مغاير لنظريتهم بشيء من الهزء، وبنظرة استفهام وسؤال واحد على الدوام: «عجيب أمر المرأة مالها وللحقوق السياسية، فهي بطبيعتها غير سياسية، وبغنى عن التعرض إليها، ومن الخير أن تقنع براحتها البيتية. شو بدها بهالدوخة الراس!!»
هذا كلام نسمعه كل حين، في الصالونات وفي المقاهي وفي عرض الطرقات. ذلك لأنه لسان حال معظم الرجال عندنا، حتى أن كثيراً من الذين يناصرون المرأة مناصرة ظاهرة، تنكشف حقيقتهم «عند الحزة» على هذا الرأي بالذات - فالحقيقة المؤلمة التي لا بد من مجابهتها، هي أن هذا الرأي طاغ في أوساطنا المختلفة، وقليلة هي الفئة المنورة المخلصة التي تعترف للمرأة بضرورة إعطائها حقها السياسي ومساواتها بالرجل في جميع الحقوق.
ما أنا بحاقدة على هذا الرجل الذي
يحارب فكرتي ويعرقل تقدمها، بكل ما أوتي من سلطة ونفوذ، ولا أنا بلائمة إياه على هذا الالتواء في تفكيره.. لأن هذا الالتواء ثمرة عشرة قرون مارس الرجل خلالها سلطة مطلقة: سن القوانين والشرائع فحابى نفسه وأجحف المرأة حقها. نحاها عن الحكم وضيق عليها منافذ النور والمعرفة.... وضعها في ميزانه الخاص فإذا وزنها لا يعادل غير نصف وزنه، شهادته كاملة، وشهادتها ناقصة مردودة...
وخاطب الرجل المرأة من برجه العاجي، فحنت له رأسها الأشعث بذلة الضعيف، ومشى الذل في مواكب أيامها ولياليها عبر الزمان يشدها إلى تحت، ويقعدها عن كل عمل كبير.
ومارس الرجل تفوقه القانوني طوال هذه القرون وحرمت المرأة حقوقها الطبيعية واقتصر عملها على إدارة بيتها وإنجاب الأولاد. وكانت النتيجة الطبيعية لهذا التقسيم في العمل، الاتجاه العملي اللافكري الذي اتجهته المرأة في حياتها، فقد وجدت نفسها حيال مجتمع وحيال رجل، لا يطلبان منها إلا تأمين الذرية وتأمين اللهو والمتعة، فلبثت طلبها راضية وراحت تركز اهتمامها على تجميل جسدها مستنطقة مرآتها بشتى فنون الإغراء الحسي الذي يرفعها في عين الرجل، جسدي ليس إلا، ومن هنا كان تقهقرها التدريجي، وسعيها وراء القيم المادية الرخيصة، دون المثل الروحية العالية...
