سيمون دي بوفوار كاتبة فرنسية معاصرة لها عدة مؤلفات تبسط فيها عقيدتها بالفلسفة الوجودية على طريقة جان بول سارتر، وهي الفلسفة التي محورها ان الانسان يصنع نفسه بنفسه. «نفس عصام سوّدت عصاماً» كما يقول مثلنا العربي. لانه مطلق الحرية والارادة، اذ ليس هناك قوى عاتية موروثة تسيره ولا طبيعة انسانية ثابتة تكيفه ولكن الانسان هو الذي ينتخب طريقه وهو وحده مسؤول عن مصيره. وعلى كل انسان ان يكد ليبلغ ذروة انسانيته ويرتفع فوق المادة الخام التي كوّن منها.
على هذا الاساس الوجودي تبني الكاتبة بحثها الطويل في موضوع المرأة، في كتاب ذي مجلدين ضخمين يقع احدهما في ٣٩٥ صفحة والثاني في ٥٧٦. وهذا الكتاب الذي نال رواجاً هائلاً بين المطبوعات الفرنسية رغم ضخامة حجمه وارتفاع ثمنه لانه افضل ما كتب في موضوع المرأة حتى الآن.
في هذين المجلدين تستعرض سيمون دي بوفوار تاريخ المرأة خلال العصور ثم وجهات نظر الادب والقصص والاساطير الى المرأة. ثم تبحث حالة المرأة في ادوار حياتها المختلفة: الحداثة، الفتوة، الزواج والامومة، وتدرس الوظائف والاعمال المختلفة التي قامت بها حتى الآن: الزوجة ومديرة المنزل، الخادمة والمحظية والتي اذاها الحب والمتصوفة والانانية واخيراً في العصر الحديث، المرأة المستقلة بمهنتها او عملها الخاص.
تاريخ المرأة حتى الآن - كما عرضته سيمون دي بوفوار في فصل طويل ممتع - هو تاريخ استعباد طويل. وطريقها الى التحرر هو المذهب الوجودي الذي يستطيع ان يعيد اليها الثقة بنفسها ويهيء لها سبيل التغلب على ضعفها التقليدي لانه يقول لها: الانسان سيد نفسه وهو الذي يسوقها الى الرفعة او الى الهبوط، يبني ذاته بيده، يصنعها من لا شيء. العظيم لا يخلق عظيماً لكنه يصير كذلك. والمرأة ايضاً مصيرها بيدها. لم تخلق ضعيفة لكن محيطها صيرها كذلك وحصرها في دائرة الجمود والمحدودية. وفي وسعها ان تأتي بالعظائم اذا احسن توجيهها.
في العصور الفطرية كانت النساء - على الارجح - اقوى
بنية من نساء اليوم، كما تدلنا اخبار الامازونات او النساء المحاربات. لكن مما لا شك فيه ان خصائصهن الجنسية، اي الحمل والارضاع وما يتصل بها، قد وقفت حاجزاً في سبيل مساواتهن بالرجل، لانها كانت تحد من نشاطهن في اوقات معينة وتجعلهن معتمدات على الرجل للحياة.
ومع ان دور المرأة في حفظ النسل كان في القبيلة يضارع دور الرجل بل يفوقه اهمية، نرى ان المرأة لم تتفوق على الرجل حينذاك ولم تساوه في القيمة. لماذا؟ لان عمل الرجل كان اعظم شأناً من عملها. فهي تعطي الحياة وهو يسيطر على الحياة بواسطة الصيد والغزو والحرب. ينهب الارواح والاموال ويعود حاملاً اكاليل الفخر والانتصار. كان عمل الرجل نشاطاً خالقاً لانه يشحذ ذهنه ويدفعه الى خلق الآلات ووسائل العيش. اما عمل المرأة فنشاط انفعالي متكرر لا يتنوع ولا يشحذ قواها النفسية بل يحصرها في دائرة النوع. عمل الرجل انساني لانه نمو وتجديد وارتقاء وتطور من حالة الى افضل منها، اما عمل المرأة فحيواني لانه مقصور على التناسل. لهذا تغلب الرجل على المرأة واصبح سيدها مع ان وظيفتها في حفظ النوع عظيمة الاهمية.
في عصور الفطرة، وفي الاوساط الزراعية، قبل ظهور عهد البرونز الذي حرر الانسان بفضل الآلة، كانت الاملاك مشاعاً في القبيلة. وكانت الامومة وظيفة مقدسة والمرأة موضوع احترام وتقديس لانها مصدر الاولاد الذين يحرثون الارض ويرثونها. كان الرجل اذ ذاك صياداً والمرأة تربي الاولاد وتقوم باعمال البستنة والطبخ والبناء وقد سمي هذا العهد بعهد الامومة لان المرأة فيه كانت شبه مساوية للرجل، اليها ينسب الاولاد وبها تحصل وراثة الارض. ومع هذا كان الرجل هو المسيطر الفعلي على القبيلة، والمرأة مرهوبة الجانب فقط لانها رمز الارض ومصدر الخصب ولان قوى خفية اختارتها لحفظ الحياة وتأمين النسل.
ولكن بدأ هبوط المرأة بظهور الآلات الحديدية الضخمة التي كان الرجل اقدر على استعمالها من المرأة. وحينئذ بدأ عهد الملكية الخاصة، فاصبح الرجل الواحد مالك الارض والعبيد
