الحياة هي المدرسة الكبرى وينبوع المعرفة الذي لا ينضب، تلقي دروسها المتنوعة على كافة المخلوقات فمنهم من يفيد منها ويعتبر، ومنهم من لا يبالي ويكترث، ولعل الفئة الثانية تنال نصيباً أكبر من الراحة والهناء ... بيد أننا خلقنا لنشقى كثيراً ونسعد قليلاً، ومعروف أن الإنسان اللبيب يشقى بعقله لأنه كلما توسعت معارفه ونمت معلوماته كثرت أفكاره وازدادت همومه ومشاكله وإذا ما أخذ الإنسان دروساً من الحياة وعمل بها واعتبر بغيرها يكون قد وفر على نفسه عناءً طويلاً، ونال فائدة تساعده على مجابهة الحياة نفسها وحل مختلف مشاكلها.علمتني الحياة، منذ بدأت أحاول فهم هذه الحياة الغريبة، أموراً هامة آمنت بها بعد الخبرة وأصبحت أحسب حسابها وأضعها نصب عيني. ومن هذه الأمور أننا خلقنا لنذوق طعم الراحة والهناء والشقاء والعناء على التوالي، وغالباً ما ترجح كفة العناء في حياة الإنسان، وهذا ليس بالغريب لأن تكوين الطبيعة يسير على هذا المنوال. فالأيام نصفها ليل ونصفها نهار نصفها ظلمة ونصفها ضياء، وغالباً ما يتعكر صفاء الأيام فتفقد نورها وهناءها، فعلى الإنسان الذي يريد راحة فكره ونفسه ألا ينتظر الرخاء والهناء في كل أيام حياته، بل أن يكون على استعداد للطوارئ والمفاجآت مهما تنوعت واختلفت أشكالها، فإن رجحت عنده كفة الهناء يتقبلها عندئذ بالحمد والرضا، وإن رجحت عنده كفة الشقاء يتقبلها أيضاً بالحمد والرضا فيكون بذلك قد وفر على نفسه الكثير من العناء.علمتني الحياة أن الظفر فيها والنجاح قلما يتم للإنسان عفواً وعن طريق الصدفة ولكن بلوغ الأرب في الأعمال الفردية والنجاح للجماعات هو غالباً وليد دأب... وهذه خطوات صائبة في الحياة سجلها قلم نسائي فذ، يسرنا أن يعود بعد غيبة طويلة إلى المساهمة في تحرير هذه المجلة ...متواصل وجهد طويل. فكم من عالم قضى سنيناً طويلة بل عشرات السنين من حياته يدرس ويحلل ويسهر الليالي حتىتوصل إلى اختراع جديد أو اكتشاف دواء حديث، وليس أدل على ما أقول من مثال نقطة الماء الضعيفة التي تستطيع أن تنخر صخرة كبيرة وتفتتها إذا ما استمرت تنصب عليها زمناً طويلاً، نقطة بعد نقطة ...علمتني الحياة أن لا فائدة مطلقاً من الشكوى والتذمر حين مواجهة الصعاب والوقوع في شتى الأزمات، وكم هي كثيرة في حياة كل إنسان! فالتذمر لا يجدي فتيلاً في هذه الحال، بل يزيد في كرب الإنسان كرباً، وفي غمه غماً، كما أن الشكوى للناس ضارة أكثر مما هي نافعة، فإن كانت تخفف بعض الشيء عنالنفس ولكنها تجلب المذلة أحياناً والشماتة وكثيراً من المتاعب فيما بعد ... إن أحسن طريقة يمكننا اتباعها للتغلب على ما نلاقي من صعاب هي أن نتقبلها بالرضا والصبر وسعة الصدر، وأن نعتبرها أمراً طبيعياً في حياتنا لأنه لا مفر لكل إنسان من أن يذوق طعمها. وقد يهون علينا الهم الذي يعكر صفونا إذا ما قسناه بما يعتري غيرنا من أنواع الهموم.علمتني الحياة أن سلامة الإنسان في حفظ اللسان، فكثيراً ما تقع الخلافات بين الناس والعداوات بين الأمم نتيجة لعبارة غير متزنة أو لكلمة مؤذية. فإذا ما راقب الإنسان لسانه يكون قد تلافى مشاكل عديدة هو في غنى عنها. وكثيراً ما تصلح كلمة رقيقة بين قلبين متنافرين أو فردين متباعدين، بل وكم من عبارة لينة رقيقة حولت مخلوقاً شرساً قاسياً إلى حمل وديع. وإني على يقين أن كل إنسان يستطيع بقليل من الانتباه مراقبة لسانه وترويضه على التفوه بما يسر الآخرين وبلطف من حدتهم، عوضاً عن التفوه بما يجرح كراماتهم ويؤلمهم.علمتني الحياة أن الأم وحدها هي المسؤولة الأولى عن تربية طفلها ذكراً كان أم أنثى فهي تستطيع أن تجعل منه إنساناً رحيماً طيباً كما أنها تستطيع أن تجعل منه مخلوقاً أنانياً شريراً، وذلك لأن الطفل هو صفحة بيضاء ناصعة بين ذراعي الأم، وهي أول من ينقش عليها خطوط ميول هذا الطفل وإحساساته وأخلاقه. فإن أحسنت الأم تربية طفلها بردعه وصده عن كل رذيلة مهما كان نوعها وتشجيعه على القيام بكل فضيلة مهما صغر شأنها منذ نعومة أظفاره تكون قد عرفت أهمية الدور الذي تلعبه وخطورة الرسالة التي تؤديها، وهذا يحتاج إلى عناية فائقة بالطفل ومراقبة دائمة له. فأنا أحذر