قالت المحدثة:
يروي الناس قصصاً لذيذاً عن صغار المتروكين، وعن حلاوتهم، وعن اجوبتهم اللاذعة، التي تجيء « حفراً وتنزيلاً ».
على ان جوني - ابننا بالتبني - لم يكن كسائر الاطفال. كان « ازعر »، كلامه كصبية الازقة، له حركات عنيفة خفنا معها في بادئ الامر ان نشركه في حياة اولادنا الثلاثة.
كان « يتشرد » قبل ان يجيء الى بيتنا مع عصابة من البطالين اكبر منه سناً. ففي احد الايام وضعوا احجاراً على خط حديدي واخرجوا قطاراً شاحناً عن الخط، فارسل الكبار الى « الاصلاحية » واخذ القضاة يتساءلون عما يفعلون بجوني وليس له من العمر سوى عشر سنوات؟
كان يتيم الام، اما ابوه فكان في صفوف الذين لا يجدون عملاً. عندما سمعنا بقصته تقدمنا وطلبنا ان نأخذه الى مصيفنا على شاطئ البحر لمدة اسبوعين، إلى ان يدبّر امره فيرسل الى ملجأ موافق.
وهكذا وصل جوني الى بيتنا يحمل بعض الحوائج في كيس من الورق، فوضع رزمته على الارض وراحت نظراته الى المائدة المهيأة للعشاء.
وصرخ:
- ماذا؟ أهذا لحم؟؟ ونحن في يوم الاربعاء! « يا قرد »!! أأنتم تأكلون دائماً هكذا؟؟
قدمت له صحناً « عامراً » من اللحم والخضار، فغطس فيه بيديه الاثنتين دون شوكة ولا سكين وابتلع ما فيه ابتلاعاً، ثم زاد صحناً ثانياً. وأتخم حتى المرض فاستدعيت له طبيباً وعندما فحصه قال:
- هذا ولد يكاد يموت جوعاً. اطعميه - فقط - ملعقة صغيرة من الحليب مع كسرة من الخبز المبلول كل ساعة الى ان تصبح معدته قادرة على قبول سائر صنوف الغذاء.
وضعت جوني في السرير، كانت « بيجاما » ابني وعمره ست سنوات تتهدّل حول ذلك الهيكل العظمي. كان من اليسير ان تعدّ اضلاعه واحدة واحدة، اما عظمتا كتفيه، فبرزتا كتلك الاجنحة من الورق المقوّى التي يلبسها الاطفال ليلة الميلاد.
واخذت اناجي نفسي بينما كنت اطعم الجائع الصغير الملعقة بعد الملعقة من الخبز المبلول بالحليب:
- وماذا طرأ عليّ حتى انزلت نفسي في هذا « المغطس »؟
بعد هذا، تحسن جوني، صار في امكانه ان يأكل ثلاث وجبات في النهار، لكنه ظل غريب الوجه والشكل. كان
منظر جلده « المائت » يؤلم حقاً. وذلك الفم المتدلي، وذلك الجبين المغضّن « كالاكورديون »، كان في صوته بحّة عميقة كأنها صاعدة من القبور جعلتنا ان نخاف عليه من السل.
وكان جوني يعلم انه في بيتنا لمدة خمسة عشر يوماً فقط، فعندما حان وقت ذهابه اصيب بقيء شديد، فوضعته في السرير وبينما اعطيه، اخذ يضرع اليّ وقد تولاه ذعر جنوني:
- آه! آه.. دعيني بينكم اذا كنت تريدين. اني افعل كل ما تريدين ان افعله، اذا كان يروق لك ان تبقيني عندكم.
قلت:
- وكيف ابقيك عندنا؟؟ إنك لا تكفّ عن ضرب الاولاد، وتعمد الى الغش في كل الالعاب فما من ولد يريد ان يلعب معك، ولا تقول كلمة صدق واحدة حتى أننا لا نعرف ماذا نصدّق.
قال متوسلاً ضارعاً:
- اعدك - اذا كنتِ تحتفظين بي - ان اصير ولداً عاقلاً.
ولان قلبي. ووعده ان احتفظ به. عند المساء ركض ملاقاة « البابا » ليحمل اليه النبأ السار... كنت مضطربة اسائل نفسي عن وقع هذا الامر على زوجي.. وسريّ عني عندما دخل وقال ببساطة فائقة:
- يظهر اننا رزقنا صبياً جديداً.
وانتابني سعال عصبي فقال زوجي:
- يوجد تحت القرميد غرفة صغيرة، اي فائدة لنا منها؟
( البقية على الصفحة ٤٠ )

