القاهرة ٩ اوغسطس ١٩٥٠
الاستاذ حكمت عبد الجليل
( مصطاف مصري )
ضيعة « عين البرغش » قضاء عاليه - لبنان .
عزيزي حكمت ،
ساعة رجوعي هذا الصباح من الاسكندرية تلفنت الى دارك فقيل لي انك سافرت للاصطياف في لبنان .
الله ، الله ،
هل بقي في مصر من يدفع به الجنون الى الاصطياف في لبنان ؟
الا تقرأ الصحف ؟ ألا تتابع حملة اديبنا الكبير على مصايف لبنان ؟
ولماذا اخترت هذه القرية - ضيعة عين البرغش - مصيفاً ؟
سمعنا بزحله ، وعاليه ، وظهور الشوير - كل هذه المصايف لم تعجبك فانزويت بين البرغش ، ثم ... - بالله عليك يا حكمت ان كنت تشعر باضطراب عصبي فاحمل حقائبك وعد الينا . انا قلق عليك جداً ويهمني ان تسرع بالجواب . ان لم تسرع بالمجيء ، ولا تنسى انه يشوقني ان اقضي لك اي حاجة تريدها في مصر .
سلمت يا حكمتلاخيك عطيه
★
٢٨ اغسطس - ضيعة « عين البرغش »
قضاء عاليه - لبنان
الدكتور عطيه محسن البراوي ، ٥٤ شارع الفجالة -
القاهرة - مصر .
عزيزي عطيه ،
سلامات يا حكيم .
قهقهت طويلاً عند قراءتي رسالتك . تسألني ان كان لي من حاجة في القاهرة . ان لي هناك حاجة ملحة اتوسل اليك قضاءها .
وهي ان تلبس تلك الجزمة الهائلة ، ذات المسامير الفولاذية التي كنت تنعلها للصيد في اعالي النيل ، ثم تتوجه نحو اديبنا الكبير فترفسه في اسنانه ، تسألني لماذا انتحيت هذه القرية البرغشة ، فأجيبك اني لست بعيداً عن المصايف الشهيرة التي ذكرت ، بل اني كثيراً ما ارتادها ، غير اني آثرت العزلة في هذه الضيعة - اؤكد لك ان ليس فيها برغشة واحدة - وانا فخور بهذا الاختيار . واني محدثك عن هذه الضياع التي لم تسمع بها ، والتي تكبر جداً في عينيك حين تسكنها ، وعن اهاليها الذين لا تجد لهم مثيلاً في الدنيا ، وعما حدث لي امس في حفلة مدرسية .
حقاً اني اعيش في دنيا غريبة . وجدت نفسي ، بعد ان استأجرت أحد بيوت هذه الضيعة ، اترجل من سيارة فيجتمع حولي سرب من أولاد الضيعة اكثرهم حفاة ، متوردو الوجوه . وما ان انزل الشوفير حقائبي حتى تخاطفها الاولاد في مهرجان من صيحة وحبور ونقلوها الى داخل البيت .
ولما قدمتهم شيئاً من العملة ضحكوا مني هاربين ولم يقبلوا الاجرة .
وحين فتحت الباب لارتب المنزل وجدت جمعاً من نساء القرية ورجالها تطوعوا لخدمتي مؤهلين بي بعبارات معسولة ووجوه باسمة . وما جاء الليل الا وجاءت الوفود تقضي السهرة عندي مرحبين بحرارة وبعبارات شعرية حتى حسبت نفسي ابناً لهم عاد اليهم من فتح عالمي .
( البقية على الصفحة ٣٣ )


