في الحديث السابق عرضتُ موجز تاريخ المرأة كما سردته سيمون دي بوفوار في كتابها « الجنس الآخر » حيث بيّنت انه تاريخ استعباد طويل . بعد ان تنتهي الكاتبة من الناحية التاريخية تعمد الى بحث الحالة الحاضرة فتقول : ان المرأة قد تحررت في الغرب بعض التحرر بفضل التعديلات التي أجريت على الشرائع المتعلقة بها . لكن - رغم هذا - لم تتحرر المرأة تحرراً تاماً لأن المجتمع لا يساويها بالرجل وان ساوتها الشرائع ولأن هناك تقاليد واحكاماً ومؤسسات اجتماعية لا بد من تغييرها للوصول الى الحرية المنشودة .
ما هي الاعمال التي قامت بها ولا تزال تقوم بها المرأة حتى اليوم ؟
تجيب الكاتبة على هذا السؤال ما يلي :
اعمال البيت والامومة وما يتصل بها كالتمريض وتربية الاطفال ، معاونة الرجل في بعض اعمال الحقل او المصنع ، عقد مجالس اللهو والظهور في الاندية الاجتماعية . وفي ما عدا هذا كانت بعض النساء ولا يزلن يتخذن البغاء مهنة ، او يصبحن حظايا الملوك والاغنياء او يطربن الرجال بالرقص والغناء . ومنهن من استعضن عن الحالة التافهة التي حصرهن فيها المجتمع بوجوه من الثورة او رد الفعل ، ومن هؤلاء الثائرات على وضعهن : الأنانية التي تعبد ذاتها وتنصرف الى التبرج والسيطرة وحب الظهور ، والعاشقة التي تذوب في من تحب ، والراهبة المتصوفة التي تذهب في حب الله . تستعرض المؤلفة هذه الاعمال او الوظائف واحدة واحدة وتُبدي رأيها في كل منها :
إن اعمال المنزل - في رأي الكاتبة - لا تملأ حياة المرأة ولا تمنحها رضى واكتفاء لانها اعمال متكررة مملة لا خلق فيها ولا تجديد . جلّ ما فيها تنظيف وتمسيح وتكنيس . اما النشاط الخالق فمقصور على الرجل الذي يبني البيت ويصنع الاثاث ويحرث الارض ويجمع الغلال ويخترع الآلات ويبتكر الاواني التي تستعملها المرأة . ومن حسنات العصر الحديث انه بواسطة المخترعات المتنوعة قد خففت اعمال المرأة المنزلية الى حد
بعيد وهيأ لها وسائل تنويع عملها خارج البيت كما أجبر الرجل على معاونتها في اعمال المنزل عند الضرورة .
اما الامومة فوظيفة المرأة التقليدية ولكن - تقول سيمون دي بوفوار - من الخطأ ان نعتبر الامومة وحدها وظيفة كافية لملء الفراغ في حياة المرأة . « إن الوالدين الذين يريدون الاولاد بدافع اناني مخطئون ، لأن الاولاد ليسوا مُلكاً لوالديهم يتصرفون بهم حسب هواهم ، ولا هم وسيلة استئثار او تعويض عن احلام مكبوتة واماني مقهورة ، وليسوا آلة تسلية ولهو او مفاخرة ومباهاة . ولقد اخطأت كورنليا حين عرضت اولادها على النساء وقالت مفاخرة : « هؤلاء هم كنوزي » ... إن كثيراً من النساء يصبحن مستعبَدات لأولادهن لكي يملأن فراغ نفوسهن ، وحنوّهن المفرط وقلقهن المستمر يمنعن الولد من النمو المستقل ويسيطرن عليه ... إن المرأة الصالحة للامومة هي المثقفة الهادئة الاعصاب النشيطة التي تقسم وقتها بين العمل في البيت والعمل خارجه ، لانها بالعمل تنسى نفسها ولا تجعل جسمها محور حياتها ، وهي اصلح لتربية ولدها وتعليمه القوة والصلابة التي تتصف بها لانها لا تتخذه موضوع حب مريض وتعلق مفرط . ولكن بما أنه يصعب على الزوجة ان توفّق بين الامومة والشغل يتحتم على الحكومات ان تقيم مؤسسات صالحة للاهتمام بالام العاملة ورعاية الاطفال في غيابها وتهيئة الجو الصالح لاستمرارها في العمل .. »
ثم تتحدث الكاتبة عن دور المرأة في الصالونات ، في النوادي ، في الزيارات والمحافل . وتشير الى ما تنفقه من وقت ومال في التبرج وخياطة الملابس اللازمة للحفلات والاجتماعات ، وتزيد قائلة : لو كان للمرأة عمل كاف وشخصية مستقلة لما انصرفت الى الحياة اللاهية العابثة المليئة بالبذخ والتصنع والرياء .
اما البغاء فمهنة قديمة للنساء . اهم اسبابها قلة الشغل وكثرة البؤس . وقد دلت الاحصاءات على أن نصف البغايا كنّ اولاً خادمات ، جئن من اوساط قروية لا يحاط فيها الشرف بجميع وسائل المحافظة على الطريقة البورجوازية . وأهم وسائل مكافحته

