
الا اذا نزلت عليه بضربة صغيرة ، فيأخذ بالتضاؤل حتى يعود الى حجمه الاول . قمت بالتجربة امام الاولاد ، ومنذ ذلك اليوم اخذوا يداعبون جوني كلما روى قصة كاذبة فيصرخون في وجهه :
– السمك البالون ! السمك البالون .
وهذه الكلمات البسيطة اثرت في جوني اكثر من كل مواعظ الكبار .
وخطا جوني الخطوة الكبرى امام البيانو ، يوم رجعنا من المصيف الى بيتنا في المدينة ، وكنا حتى تلك الساعة نجهل انه من الموهوبين ، فما ان دخلنا البيت ورأى البيانو حتى هتف :
– وبيانو ! وبيانو ايضاً ! أيسمح لي ان اعزف ؟
وبينما كنا نفك الحقائب جلس الى البيانو يحاول ان يعزف نغماً يعرفه ، كان يفتش على النوط ، فاذا اخطأ اعاد الكرة . ولم يأت الى المائدة ساعة العشاء فاحضرت له طعامه على صينية وقلت له :
– كل ساعة تشاء .
فلمعت عيناه . ودقت الساعة العاشرة ، وهو ما يزال يعزف النغم ، وباكراً في الصباح عاد الى المحاولة ، فتنهد زوجي وهو يخفي رأسه تحت الوسادة :
– هل تسمعين ؟ ابنك موزارت ؟؟
عند الساعة الخامسة بعد الظهر صرخ جوني :
– ماما ! ماما ! اسمعي وجدت النغم !
كان حقاً قد وجد النغم واخذ يعزفه بالبدين معاً . وهكذا اعطيناه دروساً في الموسيقى ، واصبح الوحيد بين الاولاد الذي كان يجبرني ان اقول :
– بالله عليك يا جوني ، توقف قليلاً ، لقد جهدت بما فيه الكفاية .
وهكذا اعطته مواهبه الفنية الثقة في نفسه ، فتوقف عن الكذب .
على ان الموسيقى لم تقو على نزع نقيصته ثانية ، كان جباناً وعديداً لا يجسر حتى على اللعب بالكرة ، فاشترينا له ادوات الـ base-ball ، فاخذها فرحاً الى المدرسة ، وفي المساء عاد باكياً شاكياً :
– ليس بين الصبيان من يريد ان يلعب معي كلهم يقولون اني اخاف من الكرة !
فاخذته الى فسحة البيت لالعب معه ، وما كدت ارمي الكرة حتى ذعر وغطى رأسه بيديه . وهنا فهمت ! لقد طالما ضُرب ! حتى ان اقل حركة من الذراعين كانت تجعله يتراجع مذعوراً .
واخذ زوجي بلاعبه بصبر واناة ، اولاً بكرة من المطاط ثم بكرة قاسية . ويوماً كانت ابنتنا الصغيرة « تركب » حائطاً - على عادة الصغار - فرماها ابوها بالكرة فالتقطتها بمهارة ورمت بها جوني ، الذي دهش كيف ان طفلة تلعب بمثل هذه المهارة ، فالتقط الكرة وهي طائرة دون ما خوف ، وعندما جن الليل ودخل غرفته صرخ منتصراً :
– في هذه الليلة سأطفيء النور ، اما وانني لم اعد اخاف من الكرة فلن اخاف من شيء بعد !
ولم يعد يخاف شيئاً ، وفي المدرسة دخل فرقة اللاعبين وصار مديراً لجوقة الطلبة . وباجتهاده ربح منحة مدرسية لاربع سنوات في الجامعة ، وكان في الوقت ذاته يكسب معاشه من العمل في المخازن او المطاعم او من العزف في جوقات المراقص . واخيراً نال شهادة « قائد » في مركز الطيران وهو اليوم
في اسطول الجو البحري .
وقبل سفره الى الخدمة ، دخلت المستشفى لعملية جراحية خطرة احتجت بعدها الى كمية من الدم . فاعطاني جوني الكمية المطلوبة . وعندما صار دمه في شرابيني قال لي متهللاً :
– خاص يا امي ! ها نحن أم وابن حقاً وحقيقة ، لان الدم الواحد يجري في عروقنا !
*
حاشية : تقول المعربة ، الفقيرة الى رحمة الله ، سلمى صائغ (معربة) :
عرّبت للقارئات العزيزات هذه الحكاية الدالة على شوق الاطفال المحرومين الى الحب ... وها انا اقدمها لهن دون ما تعليق ....
