يقول علماء النفس : ان الحد الفاصل بين الجنون والتعقل او بين الجنون والعبقرية خط ضئيل يمكن العبور فوقه بسهولة من ناحية الى اخرى بتأثير عوامل معينة .
كذلك الحد الفاصل بين الفن والتصنع ، او بين الجمال والقبح ، خط ضئيل سهل اجتيازه ، ولكن ذلك لا يتأتى الا لاصحاب الذوق السليم .
رُبَّ ثوب يكتمل حسنه اذا نزعت عنه زخرفاً بثقله ، ورُبَّ امرأة تصبح جميلة لو كانت اكثر طبعية في ابتساماتها او اقل تأنقاً في هندامها ، او كانت تمتنع عن مضغ الفاظها ومدّ صوتها في الكلام .
ورُبَّ غرفة تدعى جميلة لو نزعت عن جدرانها الصور والتماثيل والآنية والدمى . وبيت يروق منظره لو احيط ببعض الاشجار والعرائش او كان حوله فسحة كافية يسرح فيها النظر براحة واطمئنان من غير حاجز او بناء يصدمه .
وكم من امرأة جميلة الساقين حوّلت جمالها الى قبح بمشية متبخترة تميل ذات اليمين وذات الشمال . واخرى جذبت النظر الى ضخامة ساقها بحذاء مفرط النحافة او مزركش الالوان .
إن اكثر الناس لا يزالون خاضعين لتأثير العقيدة الخاطئة التي ترى الجمال في الزركشة والتأنق والفن في الزخرف . مع ان كل اثر فني يستطيع ان يستغني عن الزخرف ويبقى على ذلك فناً جميلاً . اذ ليس الزخرف سوى زوائد وفضول وعرض ، في حين ان الجمال الحقيقي يقوم في الاساس لا في العرض ، بل في تلاؤم الخطوط والاشكال ، ووحدة الاجزاء رغم تنوّعها .
عدو الفن الاسراف : إسراف في العاطفة ، إسراف في الجمود او في الهياج ، إسراف في الزينة ، تطرف في الاغراب ، غلوّ في الابتعاد عن الطبيعة وإلحاح في جذب النظر .
وكما ان الاعتدال الخُلقي يُعد ركن الفضيلة كذلك الاعتدال في استعمال وسائل الفن يعد ركن الجمال . والمرأة الجميلة حقاً هي التي تخفف من الاهتمام بجمالها والقلق على مظهرها والتفكير بحركاتها . هي الطبيعية على مقدار من الفن يثير الارتياح لما فيه من مراعاة لشعور الناظر واقتصاد في تنبيه حواسه .
كان القدماء يقولون : المرء باصغريه قلبه ولسانه ، ويعنون بالقلب العقل . ولا تزال للعقل قيمته في عصرنا اما اللسان فقد دالت دولته وحل محله وسائل اخرى للتعبير أشد وقعاً في النفس واكثر اتصالا بالغير : الكتابة والموسيقى والرسم والتمثيل وسائر الفنون . واصبح فن الكلام ارخص الفنون واسهلها واقربها متناولا وبالتالي اقلها جاذبية . ويبقى على المرأة التي تنشد الجاذبية عن طريق الفن ان تمارس بعض الفنون الجميلة وتدرس شيئاً من اصولها وميزاتها المشتركة فتنتفي من ذهنها كثير من العقائد الخاطئة والتقاليد البالية .
عليها ان تنشد براعة اليدين والاعضاء وحذقها في تحريك الآلات او رسم الخطوط والالوان . فالكلام يطير كما يقول المثل ، لانه قلما يصدر عن عمق تفكير . والعاقل من لا يغتر بسحر القول بل يقف خاشعاً امام الآثار الباقية ، الناطقة بجدّ صاحبها وجهده الفكري .


