في تلك الايام البعيدة كنا نصطاف في عاليه ، المصيف الذي نُعِمَ بالعمران بعد السكة الحديدية ونعم بقطار الـ abonné ينقل في كل عشية ازواج المصطافات واخوتهن من جحيم الساحل الى نعيم القمم .
ومع ان « المحطة » كانت ملتقى الانيقات من الصبايا ، ومع ان طريق « خان الشيخ » كانت ممرحاً لشبان الطبقة الارستوقراطية ، يركضون فيها عرباتهم ذات الجياد اللماعة في اثر عربات سيدات المجتمع « السرسقي » ، والى جانب تلك المسحة البراقة من المدينة الماشية يومئذ في بطء وفي هوادة كان في قرى الاصطياف الكبرى ألوان من الحياة الريفية وصفها ادبنا الشيخ سعيد تقي الدين ساعة كلمنا عن قرية « عين البرغش » فجاء وصفه آية .
ألوان اختفت اليوم من عاليه وبحمدون وسوق الغرب ، فالفجر فيها لم يعد ذلك الفجر ، ننهض من النوم ، فيدغدغ خدودنا النسيم البارد ساعة نخرج الى الرواق ذي القناطر وقد وضعت فيها جرار واباريق من الفخار الزهري « يهر ماؤها الاسنان » وصفت قربها اطباق الفاكهة ، وتصعد الينا من الاودية اصوات الابقار والاغنام والماعز ، تتخللها طقطقة القطار يلهث تعباً في المرتقى ما يجر وراءه من الارتال ، ثم وقع حوافر البغال على الطريق وقد مشى وراءها اكثارون يدندنون الاغاني القروية .
لا . لم يعد الفجر ذلك الفجر ولا الليل ذلك الليل ، لقد استبدل الناس النجوم والقمر بمصابيح الكهرباء ، واختفت كتائب الشبان والصبايا يطوفون تحت شرفات البيوت ويتنادون ليؤلفوا جوقات تسير منشدة في طريق عين الرمانة على توقيع المندولين ، اناشد حب بريئة ، وقامت مكانها ازواج تسكر وتقامر وتعربد في النوادي وتترك التمتع بلذة السير في ضوء القمر لمطاط السيارات وحديديته .
ولا العشايا ظلت تلك العشايا ، فليس من مكان على الطرقات لاسراب الغزلان ، يطفرن ويتغلغلن بين الغابات فيقول فيهن الزجالون :
في تلك الايام كنا نصطاف في عاليه .
وكنت اترّغ بلذاذات الحياة في القرى ، فاحس رائحة الجبل تدخل من انفي الى دمي وعظامي ، فالجلوس على الشرفة ، والذهاب الى العين ، ومساعدة الجبازة على التنور ، ومرافقة البنت الى الساحة ، كل هذه كانت لي متعا لو حدث وحرمت منها ، لحسبت ذلك قصاصاً ظالماً لا يفرضه الا القساة والعتاة .
وكان ذلك الصيف آخر عهدي بأبي ، فقد جاءنا في احد الامساء والداء الذي كتمه شهوراً يثبت وجوده قطعاً وحتماً ، فجاء طبيب ثم طبيب ، ثم جماعة من الاطباء ، ولما نزلنا الى المدينة كان هنالك سباق بين الطب والداء .
وانتصر الداء بعد اربعين يوماً ، عرفنا اثناءها ان الوالد الذي كان في بيته « صاحب عصمة » كان اياه في حياته بين الناس . اخذ بيتنا يعج بالعواد من الصباح المبكر الى الليل ، واصبح الليل نهاراً لا تنطفئ فيه مصابيح البترول الكبيرة وكان شبان العائلة وصباياها وزوجات الاخوال والاعمام يتناوبون السهر ، وينامون ساعة ينامون على المقاعد او على فرش توضع ارضاً .
يوم لجأت عائلة جدي لابي ولامي من وادي التيم الى بيروت اثر نكبة ١٨٦٠ كان ابي فوق العاشرة بقليل . وما عتم حتى حمل عائلته كلها على منكبيه ولما كبر اخواه تساندوا جميعاً في اعمال تجارية واسعة وظل شريكاً اميناً لاخويه حتى مات .
كان جليلاً ، وقوراً ، قليل الكلام ، يؤلمه الصوت الحاد المرتفع فيقطب حاجبين كثيفين ، ويؤلمه وقع الخطى اذا كان للاحذية كعاب ، وتؤلمه طقطقة النوافذ عندما تهب الرياح ، لهذا كان همنا في البيت ان نمشي كالنمل وان نمتنع عن كل ما يحدث جلبة وضجيجاً وان نهيء المائدة الكبيرة ونصف حولها الكراسي الكثيرة برفق واعتناء .
ومنذ مات اخي الشاب ، وكان احب ما في الدنيا اليه ، لم يُرَ مرة ضاحكاً ، فعندما يجيء مساء من المدينة ونتقدم كلنا لنقبل يده ، كان اخواني يدفعني اولاً لكي تنبسط قسماته وتنفرج شفتاه عن بسمة رضى .
ولما سافرت الى البرازيل سنة ١٩٣٩ اخبرني عمي - وكان قد اصبح شيخاً - ان العنب كان احب فاكهة الى اخي المتوفي وان ابي لم يذق حبة واحدة منه بعد فقده .
وكان يمنعنا من التلفظ بكلمة « الخادمة » وهكذا تعودنا ان نقول البنت او البنات .

