... في فجر ١٤ ك ١ ، صعقت هذه الامة ، وفجع الادب والشعر بنعي الاستاذ فؤاد سليمان ...
... لقد سكت البلبل عن الغناء. مات في زهوة شبابه ، وفي قمة مجده الادبي، اثر مرض عضال عصي
على الطب ، فخلف في قلوب ذويه واحبابه حسرة موجعة وترك شريكة حياة مفجوعة ، وفروعاً ثلاثة : ربيع ، وليد ووسام .
شككت بك يارب ، شككت برأفتك وعدلك . وانها المرة الثالثة في حياتي اقف فيها امام وجهك القدوس ، واهية القوى ، مزعزعة الايمان ، فهبني اللهم من لدنك ادراكاً رحباً ، لاتفهم حكمتك في بعض اعمالك ! واغفر لي يا الهي ....
فؤاد ، يا اعز صديق
بالامس عانق جسدك تراب الرابية البيضاء « بفيع » واتحد بامه الارض اتحاداً سرمدياً ..
وغداً عندما تغتسل القرية بالامطار الف مرة ، وتهل الرابية البيضاء عن الف لون والف عبير ، فيفوح شذاك في الاجواء ، وتحمله اجنحة الرياح الى كل مكان في الارض ...
بالامس كنا ضيوفاً على قريتك الحلوة ... مئات ... الوفاً زاخرة ، زحفت كلها الى « فيع » لوداعك يا فؤاد ... امارأيتها كسيرة ذليلة ، جامدة مسمّرة في الارض ، ما فيها حياة
لرفقعين ، محروقة ، تخنقها العبرة ، فتحبس الغصة فوق الغصة .. انه لعجز الانسان الضعيف الذليل امام القوة المستبدة التي نجهل كنهها . اصحيح انها الله ؟ اصحيح ان الله العطوف الرحوم يسمح لفؤاد ان يتجرع الآلام ، تلك الجرعات الكبيرة ، ليصل اخيراً الى هذه النهاية المفجعة ؟
يا فؤاد !
في العاصفة الرهيبة ماتت على شفتيك « الأخ » الموجعة ترسلها في تقطع وانتفاض من حنجرتك المجرحة ... والاطباء من حولك في حيرة وذهول ، يداوونك بكل دواء الا الدواء الشافي الذي يجهلون !..
وفي صفير العاصفة وبطشها ، في رياحها وامطارها ، حملتك مواكب الشباب - اصحابك وتلاميذك - من المستشفى الى قلب العاصمة ، دموع السماء تعبث بشعورهم ، ودموعهم تغلي في احشائهم وتفيض على خدودهم ... من اين جاءهم هذا الخطب ، من اين ؟ !
وفي العاصفة نفسها، تدفّقت الوف المودّعين الى فيع يحملون اغمار الورود والزنابق، صلباناً واكاليل ، وبأنامل مرتجفة باردة، يكدسونها فوق ضريحك الغالي ، وفي قلوبهم الدامية سكين تحزّ ! .
وعادت بي الذكرى ،
يا فؤاد ، لسنتين خلتا ، ولعلها ثلاث . وكأنك امامي تقرأ لي كلمتك في ذكرى رفيقك الشاعر الياس ابو شبكه : « مات في العاصفة » .
وفجأة ، توقفت عن القراءة ، واشعلت سيجارة ، وقلت لي بجد ، وقد عقدت حاجبيك على طريقتك الخاصة : - « انا عاصفة يا ادفيك ، وليتني اموت في العاصفة ! »



