وسارعتُ انا متمتِمة : « بعد عمر طويل ! »
وضحكنا معاً ، غير آبهين ، وما كنا ندري ، ان الاقدار
التي كانت منصتة اليك ، اصمّت اذنيها دون طلبتي ... والا ،
فلماذا طوّحت بشبابك الغض هكذا ، فلم تسمع الدعاءات
الحارة تتصاعد من الهياكل ، في البخور والمجامر ، ولم تنفع معها
ابتهالات الزوجة الوفية والصغار الاطهار ، والوف المحبين المخلصين ؟
★
... أصحيح ، فؤاد ، ان عيوننا لن تقع بعد اليوم على
اشراقة طلعتك ؟ اصحيح اننا حُرمنا صوتك ، يشيع الفرحة في
البيت ، نكتة تلو نكتة ، ودعابة اثر دعابة ؟!
... ومَنْ للفكر بعدك يا تموز ؟ لقد فجع الادب والشعر ،
وما كنت فيها الا قمة في القمم ، تطل من اعاليك ، شموخاً
وكبرا !
وما كان اكبرك ، فؤاد ، في عقلك وادراكك وفي قلبك .
... ما سعيتَ مرة الا لنفع عام ، ولا جاءت مصلحتك مرة
قبل مصلحة الغير . بوركت نفسك ما كان اسخاها ، عطاءً
وبذلاً ، ... بذلاً وعطاءً .
★
وما انسَ لا انسى وصيتك الاخيرة لي ... ما يزال صدى
صوتك المتزن في اذني ، تقول : -
« ادفيك ، انت قوية الاعصاب ، لازمي جوزفين وأعينيها
على تحمّل المصاب ! »
اجل ! لقد كنت تعلم انك على سفر ، ولم يكن جزعك
على عافيتك ، وعلى حياتك تتلاشى وتنطفىء ، باشد من لهفتك
على جوزفين ، الزوجة الحبيبة التي وفيت لها ووفت لك ...
وانا اعاهدك يا صديقي ، بان اكون لجوزفين الاخت
الودودة اخفف عنها مرارة الكأس ، وانهض بها ، ما ساعدني
جناحاي على النهوض ... ولن نكبو باذن الله ...
اما صغارك وصغاري ، فكلهم اخوة . ولن تشحّ المحبة ،
تدفق عليهم من قلوب الاخوان والرفقاء ... وما اكثرهم يا
فؤاد ، فيض من محبة ووفاء ... وهذه بذورك الطيبة العنصر
وديعتك عندهم ، يعاهدون الله بان يرعوها رعاية صالحة امينة ...
★
شككت بك يا رب . شككت برأفتك وعدلك . وانها
المرة الثالثة في حياتي اقف فيها امام وجهك القدوس ، واهية
القوى ، مزعزعة الايمان ، فهبني اللهم من لدنك ادراكاً رحباً ،
لا تفهّم حكمتك في بعض اعمالك !.. واغفر لي يا الهي !

١٣
