الدعائم التي تشاد عليها الحياة
اعتاد المحدثون سواء كان موضوعهم العلم أو السياسة أو الاقتصاد أن يشيروا في عرض كلامهم إلى مكارم الأخلاق وأن يدعوا السامعين إلى التخلق بالخلال الحميدة كالحزم والأمانة والاعتماد على النفس باعتبار أنها الدعائم التي تشاد عليها الحياة الصالحة، حياة الفرد وحياة المجموع.
وإذا توسّع هؤلاء المحدثون في حديثهم نوهوا بالعلوم والمعارف ووصفوها في المرتبة الثانية بالإضافة إلى كرم الطبع وشرف المنزع.
ثم إذا زادوا على ذلك أشادوا إلى الصحة وعدوها الدعامة الثالثة في تكوين الفرد النشيط الصالح والأمة النشيطة الصالحة.
وقد لا يهمنا نحن هذا التنسيق وقد لا يهم غيرنا أيضاً إذا ثبت مبدئياً أن الفضيلة، والمعرفة، والصحة هي العوامل الأساسية في نهضات الشعوب وفي اعتلائها ذرى السؤدد والمجد.
ولكن مما لا ريب فيه أن الجهل ليس علة العلل وأنه ليس السبب الذي انتهى بالأمم الشرقية مثلاً إلى حالتها الحاضرة، فقد كان جهل الغربيين في العصور الوسطى لا يقل عن جهل الشرقيين يومئذ ومع ذلك كانت الحالة في بلادنا في تلك العصور لا تختلف كثيراً عن حالتنا اليوم وإنما يعزى تفوق الأمم التي اجتاحت الشرق القريب ورفعت أعلامها على هذه الشواطئ من البحر المتوسط، إلى خلق متين من أظهر مظاهره التكاتف والتعاضد والعزم
الصادق.
والحقيقة أن الأمم هي الأخلاق الصحيحة وهي فوق ذلك العقول السليمة والأجسام السليمة. وليس في المجتمع البشري مؤسسات أعظم شأناً وأصدق نفعاً من المعاهد الثلاثة التي تهذب النفس وترقي العقل وتقوي الجسم: المعبد والمدرسة والنادي الرياضي.
إن الأمم بأعصابها أيضاً قبل الأمم بأخلاقها وقبل الأمم بأدمغتها وفي التاريخ بيّنات جلية على أن الشعوب الضعيفة بسبب الأوبئة والأمراض هي الشعوب الذليلة التي تمد أعناقها لنير غيرها فتستباح نفوسها وخيراتها. كما أن الشعوب القوية بسبب ما تلجأ إليه من ضروب الرياضة البدنية ومراعاة شروط الحياة الصحية النقية هي الشعوب المغامرة التي تسير على بركات عزيمتها في مشارق الأرض ومغاربها فتوطد دعائم نفوذها وتنشر أساليب مدنيتها في الربوع التي تحلّ فيها.
فإذا كانت بلادنا قد اشتهرت في كثرة معابدها وكثرة مدارسها، فيجب ألا تكون شهرتها أقل في الأعمال التي تصون الصحة العامة من المصائب والأخطار ومن هذه الأعمال المهمة التي يجب القيام بها هي ممارسة الرياضة الجسدية والعقلية.
كان أجدادنا العرب في جميع أدوار التاريخ من غواة الرياضة الجسدية يركبون الخيل ويتبارون في ركبها ويحملون السيوف ويتبارزون بها وقد
نبغوا في هذه الرياضة ولا يزالون في البادية اليوم مضرب المثل في الفروسية والأقدام. وقد سار الغربيون شوطاً بعيداً في مضمار الرياضة البدنية وجعلوها وسيلة لتربية النفس والجسد معاً.
وقد نشط الشرقيون إلى الاهتمام بهذا النوع المهم من التربية وأخذوا ينشئون الملاعب والأندية الرياضية وشرعت شقيقتنا مصر تمثل بلادها في الألعاب الأولمبية العالمية، كما أن أكثر المدارس عندنا صارت تجعل للرياضة البدنية أهمية خاصة في برامجها والسبب في هذا لا يحتاج إلى بيان. وحسبي أن أقول إن الأمم التي تمارس الألعاب الرياضية هي الأمم التي يتجلى فيها النشاط والنظام والتعارف والوئام بل هي الأمم التي تستطيع أن تتغلب على نوازل الدهر ومصائب الحياة. فيجب والحالة هذه أن يشوق شباننا وشاباتنا إلى الاهتمام أكثر بالرياضة البدنية والإكثار من إنشاء الأندية لها فإنها أفضل مكان يختلف إليه الإنسان بعد عناء العمل اليومي. ولا شك في أن الرياضة البدنية هي نوع من الرياضة الروحية والعقلية فهي تهذب النفس وتروض العقل وتجعل الإنسان أقدر على تعهد أعماله والقيام بواجباته.

