صديقي الشاعر العزيز
وماذا عساني أقول تجاه هذه الغواية الجديدة المغرية التي تبرز امامي هذا الصباح مهورة بامضائك ، وهو اشرف ما يردني كعربون للصداقة التي صمدت بيننا نحواً من ثلاثين سنة ونيف ، وقد مرت جميعها كلمح البصر .
وها انا استوي في سريري مصممة من جديد ، وبعزم اكيد على البقاء متخذة من مجموعتك الشعرية عذراً لهذا التصميم الملح للاستزادة من الحياة ما أمكن بالرغم عن انف القدر .
وهل ياترى بامكان هذا القدر العاني الذي وضع يده على كل ماله علاقة بالترفيه عن جسدي ، أن يقف بيني وبين الترفيه عن روحي - وفي مثل هذه المناسبة - وأنا اتلقى هذه الدفقة السخية من الوجدان ؟؟ لا ! لعمري ! فليس من قوة تحت الشمس يمكنها ان تحرمني التغلغل بين هذه الصفحات التي ستعود بي الى ايام مضت ، ايام الشباب والقوة عندما كنت أصغي الى فياض وهو ينثر وينشد تلك الدرر الغوالي فادعو أنا لبيته الارضي بالخراب ، ليظل هو هائماً على وجهه في عالم الاحلام والرؤى البعيدة ، فيتحفنا بتلك النسمات العطرة التي ما زالت حتى الان على جدتها ، وقوتها ، تعطر اجواء الاندية العربية في كل صقع وناد ..
وما اجمل هذا الثوب البسيط الفاتن الذي ألبستها إياه ياصديقي ! ، وهذا اللون الأخضر الفاهي ، الذي لا يخدش عصباً ، او يؤذي عيناً ، هذا اللون الحالم الوادع الذي لعلك قد انتخبته من بين مئات


الالوان المنتمية الى القبيلة الخضراوية اثناء تجوالك الاخير في رياض شبابك الغابر ، بينما كنت تجمع وتنتقي حبيبات قلبك لتضمها بين جناحي هذه الرسالة التي تريدها متفقة ومنسجمة مع رقيق شعورك ، وخيالك الخلاب !
وإنها لكذلك ياصديقي ! فقد وُفِّقتَ تماماً ، اذ جاءت النتيجة التي توخيتها .
وقد توفقت أنا أيضاً معك ، إذ ، ما كادت عيناي تقفان على هديتك هذه النفيسة وهي تتهادى بين يديّ بثوبها الفاتن البسيط حتى كدت احسبني شريكة لك باختيار الغلاف واللون .. او لم تكن البساطة ، ولا تزال ، شعاري المفضل في جميع مناحي حياتي ؟ .. ولكم دعوت بنات بلادي اليها كتابة ، وخطابة ، في ماضي ايامي ! ...
كما وان هذا اللون الأخضر فقد حسبته أيضاً من الهامي ، كونه اللون الذي تتعشقه نفسي لصمته وابتعاده عن الدعايات الملونة ، الصارخة ، ولما انه اللون الطبيعي
الوحيد الذي بقيت على صلة به في عزلتي وها هو الغصن الاخضر العزيز ، يطل علي من علو النافذة الوحيدة التي اطل منها على الدنيا ! والذي أراه يتأرجح بين الموت والحياة عالقاً بجذع الشجرة الام ، وهي الوحيدة التي افلتت خلسة من بقية أخواتها الشجرات يوم حكم عليهن بالموت دفعة واحدة !!
ولكن إلى أي متى ياترى ستدوم نعمة هذا الغصن عليّ ، لست أعلم ! ، لما انه وامه لا يزالان يشغلان بضعة أشبار في الجهة الخلفية من الارض ، وهذا ، مما لا يجوز في عرف اهل هذا الزمان ، ودوائر التنظيم والتجميل في لبنان !! انه ليوم اسود فعلاً هذا الذي تمثلت فيه هذه المأساة ، ياصديقي الشاعر ، فهزت كياني

