حينما انتصف القرن العشرين كان « صلاح » قد قضى من عمره اربعين سنة اكتملت في اثنائها رجولته ، وتضعضعت بالحياة ثقته كما فقد ايمانه بالناس . غير ان ثلاث خيبات ، كن في رأيه اوجع الدروس التي تلقاها بصبر المناضل وعناد المفكر . ويعدد صلاح لي هذه الخيبات بقوله :
— الخيبة الاولى كانت منذ بضع سنين ، يوم فرض علي اهلي الزواج من ... فتاة لم اعرفها قبل اسبوع الزفاف ... ولمــا احتججت هددوني بحرماني من الارث ، ومن الرضاء الابوي ، فرضخت . وعللت نفسي بالقول : « ان الزواج نصيب ! ولعل هذا النصيب هو من عطايا الله التي لا تسبقها البشائر ، شأنه مــع الاولياء والقديسين ! »
وكان ان تلك الفتاة التي صارت زوجتي تستجمع فوق جهلها سائر ما اكرهه في النساء .
ويستريح قليلاً ليستعيد رباطة جأشه ، وصفاء صوته . ثم يقول :
— اما الخيبة الثانية ، فبنت الاولى ، لانها فرع من هذا الاصل — فلقد رزقت اولاداً ، لم اكن بحاجة الى مثل وفرتهم . ولا سيما في الايام العصيبة التي اجتازها العالم قبل الحرب العالمية الثانية وما اعقبها من ازمات كانت في بلادنا اشد من ازمة الحرب نفسها فضلاً عما نترقبه الان من كوارث ، اذا صح ان مسرح الحرب هذه المرة ، سيكون الشرق الاوسط بالذات ، دون اوروبا المنهوكة القوى ، الفقيرة بالنفط !
والانكى من ذلك هو ان بناتي جئن نسخة طبق الاصل عن امهن ، باستثناء الذكاء ، الذي ورثنه عني دون شك !!
ويتضاحك صلاح لنكتته ، متكلفاً التخفيف عن نفسه وعني ، وهو يقص علي اعترافاته ، كأخ احببته منذ كنا رفيقي صبا وشريكي شباب ، ثم يتابع قائلاً :
— والخيبة الثالثة ، هي ... في ما يتلمسه كل انسان ، في المجتمع الذي خلقته الحرب ... بل الحروب المتتابعه التي شهدها
جيلنا الشقي ، منذ حرب البلقان حتى الحرب الاخيرة . فانك لا تجد في الناس وفياً . ولا وفاء . حتى الصديق ، الذي اصطلحنا على تسميته بهذا الاسم الحبيب ، صار اسطورة عتيقة ، بعد ان حلت المصلحة محل كل عاطفة انسانية ، وكل نزعة روحانية !
بهذه الكلمات ختم صلاح عامــه الاربعين ، وكانت ساعة « بغ بن » تدق الثانية عشرة في « لندن » فنستمع اليها بالراديو ويضبط كل منا على دقتها ساعته اليدوية التي رافقته ربع قرن كامل .
ثم اهب واقفاً واودع صديقي ، ليدخل وحده الى مخدعه حيث كانت زوجته مستسلمة لنوم عميق ، فيلقي الرجل عليها نظرة اودعها كل ما في نفسه
من حسرات . ثم يتقدم بخطى وئيدة نحو زر الكهرباء ليطفيء النور ، فيحجب عن عينيه ما يؤذيها ، ويلقي بالماضي كله ، في ظلمـــة النسيان . الم تدق الساعة معلنة حلول العام الاول من نصف القرن الجديد .. فعلام لا يغذي صلاح في نفسه احلام الغــد المأمول ،
بدلاً من الاجترار بآلام الامس الغابر ؟...
ويتمتم الرجل ، وكأنه يستمع الى صوت ينبعث من قرارة نفسه :
— الجريمة جريمة امك وابيك يا صلاح ! فهما اللذان حملاك على هذا الزواج ... هذا صحيح ! ولكن رضوخك للتقاليد دون روية يجعلك شريكاً في هذه الجريمة !
وينقضي الليل ، دون ان يذوق طعم النوم . فقد كان يرجو ان يقضي هذه الليلـــة في سهرة مرحه ، رتبها بعض المعارف والاصدقاء . ولكن زوجته رفضت ان ترافقه اليها ، وحظرت عليه ان يذهب وحده لسبب بسيط هو ان احدى الانسات اللواتي دعين الى تلك الحفلة كانت معجبة بصلاح وقد رأتها الزوجة ذات يوم تبتسم له ابتسامة بريئة .


