

سئلت مرة عن ابرز مشاكل التربية في مجتمعنا وعن كيفية معالجتها فاجبت ان اول مشكلة من مشاكل التربية هي انقطاع العلاقات الاساسية ما بين الاولاد والوالدين ، في حين يكون الاولاد بامس الحاجة اليها ، ولضيق الوقت لم اتمكن من وصف العلاج في حينه ، لذلك عزمت ان ابحث كيفية انماء العلاقات بين الام وفتاتها والمحافظة عليها ، وما ينتج عن ذلك من خير لكتبتها وللمجتمع .
لكل فتاة شخصية فريدة هي كناية عن مظهر خارجي لحياة ذاتها الداخلية ، حياة عقلها وقلبها وروحها ، وهي تختلف باختلاف العوامل التي تتضارب او تتكاثف في سبيل تكوينها . والعاملان الاساسيان في تكوين الشخصية هما عامل الوراثة وعامل التربية . فالامكانيات الجسدية والعقلية التي ترتكز عليها شخصية الفتاة هي وليدة عامل الوراثة ، والحظ هو الذي يقرر كميتها ونوعها ، واما مسؤولية تكييف تلك الامكانيات وتهذيبها وتنميتها فتقع على عاتق الام .
وتصرفات الفتاة هي في الغالب مجموعة عادات تقتبسها من محيطها ، ويقتصر هذا المحيط في السنين الاولى على البيت ، لذلك تلعب الام الدور الاول في تكوينها . فهي التي توحي الى فتاتها المثل العليا التي تريدها ان تتمسك بها ، وهي التي تدريها على تكوين كل ما يمكنها من الوصول الى تلك المثل من عادات وتفكير ، وشعور ، وتصرف . لذا وجب على الام اولاً : ان تدرس امكانيات فتاتها وتحللها كي تتمكن من قيادتها قيادة حكيمة نحو اهداف ملائمة لمواهبها وميولها الطبيعية ، ثانياً : عليها ان تجعل بينها وبين فتاتها صلة تمكنها من العمل معها في سبيل الوصول الى تلك الاهداف . اما تحديد هذه الاهداف فيتوقف على امكانيات الفتاة الخاصة ، وعلى ثقافة امها ورقي مجتمعها .
وساحاول الان ان اصف باسباب علاقة الام بفتاتها وكيفية انماء هذه العلاقة والمحافظة عليها .
كل والدة تطمح ان يكون بينها وبين فتاتها صلة صداقة تخولها الاطلاع على كل ما يدور في نفس ابنتها من اهواء وخواطر وما تتعرض له من متاعب ، وما تقاسيه من صعوبات . وكثيراً
ما تتألم الام لانقطاع فتاتها عنها وانتقائها شخصاً آخر ربما كانت فتاة من سنها ، تسرد عليها اختباراتها وتسمعها آرائها في الحياة ، وتستشيرها في شؤونها الخاصة والعامة على السواء دون ان تبدي اية رغبة في التحدث مع امها والتقرب منها .
تتألم الام لهذا الوضع الشاذ وتود لو كانت هي في مكان تلك الفتاة التي ترتاح ابنتها للتحدث اليها ، وتضع اللوم على ابنتها التي اصبحت على حد ظنها متمردة عاصية لا تابه لنصائح امها ولا تكترث لارائها . والواقع ان الفتاة تتألم ايضاً لهذا الانقطاع ، والمها هو اعمق واشد من ألم امها لانها لا تتوق فقط للتحدث اليها في شؤونها بل ترى انها في حاجة ملحة الى ذلك .
قد تتمرد الفتاة احياناً في هذا السن ولكن بعض هذا التمرد طبيعي ، اذ تبدأ الفتاة في اظهار فرديتها وابراز شخصيتها المستقلة ولكن هذا لا يعني انها استغنت عن نصح والدتها ، فهي في الواقع بحاجة ماسة الى هذا النصح ، وتود ان تستشير امها في بعض امورها الخاصة لكنها لا تجد في نفسها الجرأة لكي تفاتحها باحاديث من هذا النوع لاعتقادها ان امها تستنكر هذه الاحاديث ولا تستحسن منها هذه البادرة - اذ ليس هنالك من صلة تربط عقلية الام ونفسيتها بعقلية ابنتها ونفسيتها - فترى الابنة ان تلجأ الى نصح من يمكنه فهم مشاكلها فيقع اختيارها على فتاة لا تفوقها عمراً وخبرة . او ربما انفردت في رأيها واتبعت ميولها ورغائبها التي يندر ان تكون صائبة بحيث لا يوجد في محيطها ما يغذي نفسها ، ويرفع حسها ، ويسمو بها الى هدف اعلى يضبط خطاها ، فتتبه مندفعة بقوة الحياة التي تتأجج فيها ، وبرغبتها الطبيعية للمغامرة وحب الاستطلاع ، ثم تقف حائرة امام ضغط الاهل وثرثرة الجيران ، وقساوة الرأي العام ، ليس لها من مرشد او نصير .
فلو عادت الام بضع سنين الى الوراء وبحثت في طيات نفسها عن سبب هذا الانقطاع لوجدت ان اللوم يعود عليها لانها ظنت ان واجبها نحو فتاتها ونحو نموها الجسدي والعقلي والروحي قد تم عندما اصبحت ابنتها قادرة ان تأكل وتلبس وتمشي لوحدها دون اي معين ، فتركتها الى يد الاقدار وانصرفت عنها الى اعمال اخرى . لقد فات الام ان تدرك ان من واجباتها الاساسية ايضاً سهرها الدائم على تتبع نشؤ ميول فتاتها وتطورها واهتمامها بايجاد مجتمع رفيع لها ينمي روحها الساذجة ويغذيها ، ومن ثم عليها ان ترافقها بتيقظ وادراك في جميع تطورات حياتها النفسية والجسدية ، وان تجاريها في هذه المراحل من حياتها مجاراة لبقة دون ضغط او سيطرة .
