ان قيام علاقة حقيقية بين الام وفتاتها تفرض على الابنة ان تبوح لامها بكل ما يجول في خاطرها من اهواء واحلام وما يمر بها من اختبارات مفرحة كانت ام مؤلمة، لا تتم بدون اجتهاد وتيقظ تام من قبل الام نحو ابنتها منذ صغرها، اي منذ ان تبدأ وهي في الثانية من عمرها، تعرض على مسمع امها اولى اختباراتها في هذه الحياة، فاذا اظهرت الام عدم اهتمام باحاديث ابنتها، او بالاحرى اذا لم تبد رغبة حقيقية في سماعها، تكون قد بدأت في ابعاد ابنتها عنها دون ان تدرك ان الصلة التي ترغب في توطيدها بعد حين يجب ان تغرس بذورها منذ الصغر والا فالعودة اليها بعد سنين طوال لا يؤمل من فتاة اصطدمت في اول عهدها بعدم المبالاة وقلة الاكتراث في شؤونها.
على الام الحكيمة اذن ان تجعل من هذه الاحاديث الاولية الصغيرة فرصاً لتوطيد علاقاتها مع ابنتها، وان تفسح مجالاً لها للتحدث معها بصراحة في جميع الشؤون التي تقلق بالها وان تهيء لها الاجواء الملائمة لذلك. وعليها ايضاً ان تبادلها الثقة فتحدثها عما جرى لها من اختبارات مماثلة عندما كانت في سنها فتشعر الابنة بارتياح لهذا التبادل في الثقة وتجد لذة خاصة في المقارنة ما بين اختباراتها واختبارات امها وفي البحث عن اوجه التشابه والتباين بينهما.
ان ثقة متبادلة كهذه هي اكبر ضمانة لاستمرار التفاهم بين الام وفتاتها، فعندما تجلس الام مع ابنتها وتسرد عليها ببساطة وعدم تكلف او تشويش اخباراً وحوادث جرت لها في حداثتها عن افكار او احاسيس اقلقتها تطمئن الفتاة اذ تجد ان الافكار التي تجول في خاطرها، والاهواء التي تملأ نفسها هي كلها بوادر طبيعية من بوادر النمو والنضوج العقلي
والجسدي ولذا فهي لا تستوجب التكتم والنكران.
ان الاكثار من مثل هذه الجلسات وهذه الاحاديث ينمي في الفتاة شعور الثقة بالنفس ويشجعها لان تتقدم من امها غير هيابة فتسرد عليها افكارها كلما وجدت ضرورة الى ذلك.
ثم ان التداول الصريح في المشاكل الشخصية مع اناس يرتاح المرء اليهم ويثق بحسن نيتهم واخلاصهم يخفف كثيراً من وطأة اختباراته العنيفة، فاذا لم تجد الفتاة هذا الصديق المخلص في شخص والدتها لا بد لها من ان تبحث عنه في مكان آخر وربما وجدته في شخص ليس اهلاً للثقة.
واخيراً متى قرنت الام حياتها بحياة ابنتها وجدت نفسها امام الحقيقة الراهنة وهي ان اولى واجباتها نحو فتاتها هو ان تجعل من تصرفاتها مثلاً اعلى لابنتها تقتدي به، لانها مهما حاولت الفرار من هذه المسؤولية العظمى فستظل ملازمة لها الى النهاية. لذلك اذا ارادت الام ان تنمي في شخص ابنتها عادات شعور وتفكير وتصرف مستحبة، وجب عليها ان توجد في نفسها هي اولاً الميزات الاساسية لتلك العادات فتكوّن هي نفسها القدوة المثلى، ليس لابنتها فحسب، بل لفتيات مجتمعها كافة.
ان علاقة حقيقية متينة بين الام وفتاتها هي الضمانة الوحيدة للتربية الصحيحة، لان عامل التربية هو العامل الوحيد الذي بالاستطاعة تكييفه وتحويره، اذ ان عامل الوراثة هو مقرر ثابت. ان كل فرد تولد معه امكانيات عديدة لشخصيات مختلفة وبفضل عامل التربية وحده تبرز شخصيات متنوعة من وراثة واحدة. لهذا اصبح على الام ان توجه
فتاتها وتعاونها على ابراز الشخصية التي تقودها الى كمال نفسها. فمتى اقتنعت الام بهذه الحقيقة وشعرت بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقها وجدت الدور الذي تلعبه هي في تقرير حياة ابنتها، وفي تكوين شخصيتها وتكييفها هو دور اساسي لا يمكنها ان تتغاضى عنه او تقدم عليه عن غير جدارة، فهو حري ان يحتل المكانة الاولى في حياتها.
واي خير ترجو الام تحقيقه من اجل رقي مجتمعها يكون افضل من قيادة ابنتها نحو تكوين شخصية مثلى تعتز بها وتفاخر؟.

