يلمس في جيبه الستين ليرة التي جمعها . ستون ليرة ! ثروة عظيمة ، وهو يقدر ان يشتري بها نصف بيروت ! كان جورج يجمع دراهمه في قجة منذ اكثر من سنة ، وقد كسر القجة اليوم فوجد فيها ٤٥ ليرة . وكان قد وجد كتباً له من السنة الماضية فباعها دون ان يعرف احد بذلك وقبض ثمنها ١٥ ليرة فكان مجموع ما حصل عليه من دراهم ستين ليرة ، وهو ينزل الى السوق الآن لينتقي بها لعباً لنفسه لان عيد الميلاد قد اقترب ، فهو في السنة الماضية لم يُهدَ من هذه اللعب لان اباه كان بلا عمل ، والحالة ضيقة ، وهو لا يزال حتى الآن بلا عمل . وينقبض قلب جورج لتذكر حالتهم في البيت : ابوه منذ سنة ونصف ، يخرج كل صباح من البيت ليفتش عن عمل ، ويعود عابس الوجه ، فتعرف الماما الجواب دون ان تسأله ، وتبدأ تتبرم وتلعن الحظ وهي ترتب المائدة للاكل وترمي الاشياء عليها رمياً ، بينما البابا يدخن اللفافة تلو الاخرى صامتاً مكفهر الجبين . فتقول الماما محتدة :
- انظر الى صديقك اسعد الحمصي الذي كان رفيقك في المدرسة وكان « على الارض يا حكم » لا يجد عملاً ، حتى سافر الى البرازيل مع امرأته ، وها هما الآن من ارباب الملايين ، مع انه ليس متعلماً مثلك ! فلماذا لا نذهب نحن ايضاً ؟ هناك بلاد العمل ، هناك سوف نحيا ، البرازيل منجم ذهب !
فيجيبها البابا :
- سوف نرى لعلني اجد عملاً غداً .
ويصمت قليلاً ثم يتابع :
- ثم ان اجرة سفرنا على الباخرة ، فمن اين آتي بها ؟
وفي صباح اليوم التالي يذهب البابا ايضاً ليفتش عن عمل ، وتعاد الكرة كما في اليوم السابق !
خفف جورج السير بينما تخامره هذه الافكار المؤلمة وهو مطرق ... لكنه لن يدع الحزن يستولي عليه الآن ، يريد ان يفرح اليوم وينسى ما في البيت ، لانه سيشتري اجمل العاب في بيروت بالستين ليرة .. ماذا سيشتري ؟ أسيارة حمراء كبيرة ؟
حتى اسفل الشجرة، وهناك بابا نويل يبرز لحيته البيضاء وهو يشير الى كومة العاب من جميع الاشكال تزينها خيوط لماعة ، وهناك دب ابيض ، وسيارة حمراء جميلة ، ودراجة خضراء وكرات قدم ... ويدخل الصبي محلاً كبيراً .. آه ، هناك جمع من الناس يتفرجون على قطار كهربائي يمشي وحده ، ما اجمله مع نوافذه الصغيرة حيث تطل رؤوس الركاب ! بقي جورج طوال بعد الظهر يطيل النظر الى كل واجهة وكل الالعاب قبل ان ينتقي ، فان « الفرجة بلاش » وما الذ هذه النزهة بشوارع بيروت ايام عيد الميلاد ! وسيأتي جورج غداً او بعد غد ليشتري ما يصمم شراءه .
عاد الصبي الى البيت وملء افكاره ومخيلته اشياء جميلة بديعة ! دخل البيت ، ووجد اخاه الصغير يبكي بكاءه المزعج لانه يريد حلواً . فتهدده الماما :
- اسكت والا ضربتك .
فتعالى صراخ الطفل اكثر من ذي قبل . عندئذ عاد البابا الى البيت وصار كالعادة يتشاجر مع الماما ، فتذكر جورج المثل المعروف الذي تردده الماما احياناً : « القلة تورث النقار » ، وذاب فرحه العظيم بعد جولته في شوارع البلد ، وعض قلبه الحزن ... لماذا لا يجد البابا عملاً فيربح مالاً ويأتي بالحلوى لاخيه الصغير ، ويلين طبع الماما .. و .. وتزول جميع المشاكل ، لكن واأسفاه لا يوجد عمل لابيه ، اينما ذهب يقولون له : « لسنا بحاجة الى موظفين » وقد امضى سنة ونصف على هذه الحالة ! فلماذا لا يجد البابا عملاً ؟ لماذا ليس له محل بين الذين يشتغلون ؟ ولكن .. اذا كان البابا لا يجد عملاً هنا فلماذا لا يذهب مع عائلته الى البرازيل ، منجم الذهب كما تقول الماما ؟
وغرق جورج في بحر من التفكير : البرازيل ، بلاد الذهب ، ولما لا يذهبون اليها ؟ يقول ابوه انه ليس لديه اجرة السفر على الباخرة .. ولكن انه هو جورج الصغير يقدر ان يحقق هذه الامنية لو اراد . أليس الآن في جيبه ستون ليرة ؟ وقد انتفخت الجيبة منها . لاشك انها تكفي لذهابهم الى البرازيل ..

