ذاهبون غداً ، الى القرية ، الى فوق ، يا فؤاد .
ضجرت نفسنا من هذه المدينة الضيقة ...
هبت امس ، في الليل ، على احيائنا عاصفة ... واهلها من عاصفة اقتلعت اضلاع النوافذ كسرت مفاصل الشرفات خلعت الابواب امطار ، ثلوج ، زجرة ، اعاصير ، هدير ، نفخ في كل زاوية غمغمة في كل مر ... وتطلعت ... وكان الجرس الكبير يدق وحده ... قبة الكنيسة تهتز ... وشيء من الصليب يحترق .
انغمضت عيني ... خفت ... ونمت ..
مدينة ... نكره النوم في هذه المدينة يا فؤاد .
من يقدر ان ينام في العاصفة ؟!
من يقدر ان يمسك قلبه ويغفى ؟!
... ونمت انطلع في الزمهرير .
يدي ترتجف ، وضعي ترتجف .
... وسقطت صاعقة في الصليب ، في القبة ، تحت ، في الهيكل .
تحطمت القناديل ، اطفئت الشموع ، ارتجبت صخرة المذبح .
لم اسمع في تلك الليلة صوت انسان .
... سمعت صوت كأس محطمة ...
نائمون ، كل الناس نائمون .
حتى الليل ، فقد كان القمر ، من فوق ، مجداً بارداً في سكون وخوف .
انغمضت عيني ولم انم ...
قل لي بحياة « ربيع » يا فؤاد ، اين كنت انت في تلك الليلة . ؟!
فتشت عنك ... لا اعرف كيف فتشت عنك ؟!
من حملك ، الى بيتي ، ؟؟
من اين دخلت ؟! اخذت برأسي وضربت به الجدار « قم بنا الى فوق ، اتعبتني هذه ، المقبرة ، هذه المدينة » ... وجذبتني
- فؤاد على مهل ...
... وجذبتني بصدري ، بتلافيف صدري ، ثم مددت يدك كلها في قلبي ، وعصرت ثم اخذت جديدة الصليب - من اين جئت بجديدة الصليب - وضربت بها وجهي . « اعطني الدم ... لم يبق عندي دم ... هات » ... وانغمضت عينيك ونمت ...
جنت بنا العاصفة ... او لم تسمع كأن عابراً ينادي ... !! من ؟!
ريح تصفر ولا تلهث ... امطار تتهمر ولا تتعب .. ثلوج تتساقط ولا
تهدأ ..
... دنيا .. ارض كأنما وقع منها شيء ... غاب النداء في اطراف الليل ضاع الصدى في نقلقل العاصفة .
وانخنيت عليك ، اهزك فلا تهتز احركك فلا تتحرك ، اضرب وجهك بوجهي الدامي فلا اراك ... وتطلعت فما وجدت احداً ... خرجت الى المطل فاذا بالسماء صافية ، واذا بديك الصباح يصيح ، واذا بطرقات المدينة ، تتفتق بالعابرين ... لم يسقط في الحي سقف !
ذاهبون غداً الى القرية يا فؤاد ، لنا هناك قطعة ارض ، وقطعة فيء ، وحنية قديمة ، وجرس لا يقرع وحده في الليل وقنديل . اما الحواني فهي ملأى بالزيت . اما المباخر فهي ملأى بالجمر والبخور . اما بيدر القرية فهو طافح بالغلال ... الى القرية يا فؤاد ، الى فوق ... نشرب ونحلم ، ونتهل ، ثم اذا تعبنا حفرنا لرأسنا متكأ ، ننام فيه ونغيب ، فينبت فينا « الربيع » .
قبة الكنيسة في رأس بيروت قبة الساعة ، يا فؤاد ، واقفة كما تركتها تغتسل بالمياه .
ما انعس الغرباء الذين يموتون في العاصفة بعيدين عن منازلهم ، عن سنديانة الدير في رأس التلة .
... لن نلتقي بعد اليوم الا في الجبل ...
الياس زخريا
١٤ كانون الاول ١٩٥١

