الف معنى والف خاطرة تتلاقى كلها الان فجأة ، في ذهني وفي نفسي معاً ، حتى اكاد اغص بالمعاني واشرق بالخواطر ، قبل ان اقول كلمة واحدة في هذا الاديب الصريع ، الذي ثوى امس في مرقد من الارض ... الارض التي كان ، الى ايام قريبة ، يذيب حبها في نفسه ، ثم يذيعه في النفوس حروفاً من العطر والنور والندى والنغم .
الف معنى والف خاطرة ترتعش كلها الان ، في ذهني وفي نفسي ارتعاشاً من الالم ان يموت الورد في جلوة ربيعه ، وان يختنق العطر في موعد بوحه ، وان تتمزق حنجرة البلبل في موسم الصداح والاغاريد .
مات فؤاد سليمان وهو كالكرمة التي تحلم بالعنقود سنوات وينتقل سر العنقود في جذورها وعروقها يوماً فيوماً ، في الفصول والشهور ، حتى يكاد يصبح الحلم حقيقة ، وحتى يكاد يتكون السر
ويستجمع كل معانيه ، وحتى ينعقد الزهر ويتكون العنقود ويقبل «تموز» باسراره واحماله ، فاذا بالمنجل الاثم يهوي على الكرمة من جذورها ، واذا بالعنقود يموت مع الكرمة والحلم والسر جميعاً ، واأسفاه .
ما التقيت « فؤاد » الا مرة واحدة ولكن كنت التقي « تموز » كل صباح ، وما جئته في صباح قط الا على شوق ولهفة وظمأ ، وما صدرت عنه في صباح قط الا وفي فمي نكهة من نكهة تموز ، وفي خاطري حلاوة من حلاوة الارض التي تنضج في تموز ، وفي نفسي سماحة من سماحة الصيف الذي يتدفق سماحة في تموز .
و«تموز» هذا ، وهو «فؤاد» نفسه ، كان يعطي من ذاته ، كل صباح ، فيضاً من الادب يبدو للعين رشحة . كما نعرف من شأن تموز ابن الطبيعة ، الذي يعطيك الرشحة من الخير والنضج والسماحة ، فاذا
هي فيض ودفق وغزارة .
كنت اجدني مع «فؤاد» ، في زاوية « تموز » ، على غير وفاق في الرأي اغلب الاحيان ، ولكن - مع ذلك - كانت نفسي تفتح له وتنتعش به ، وتستجم وتستريح ، وما كان ذاك الا لان «فؤاد» كان ابن الطبيعة كشهر تموز نفسه ، في حرفه لون الارض ، ورائحة الارض ، وسحر الارض ...
من هنا احببت هذا الاديب ، لانه كان يعرف انه ابن الارض ، وان للارض عليه حقاً ، ولها في ضميره امانة وذمة ، وكنت اشعر ملء الشعور انه كان يؤمن بهذا الحق ، ويقدس هذه الامانة .
ومن هنا كذلك حزنت على فؤاد اوجع الحزن ، اذ قضى عليه الداء قبل ان يلقي كل اثاره ، وينشر كل اسراره .



