هي الساعة السابعة صباحاً - واذا بصوتك وبجعة «صوت المرأة» يصلان إليّ في وقت واحد .
إن لفي صوتك «بحّة» لم تعجبني ! كوني لم اتعودها منك ، فكيف سمحت لها بالوصول اليك ؟!!..
لا استبعد أن تكون بحّتك من مبتكرات آلتي اللاقطة - العرجاء - تتخذها وسيلة للرجوع الى سابق عهدها من الحرد الثقيل ، والذبذبة المصطنعه ، لتعكّر عليّ صفو ساعات الصباح والمساء في هذا الطقس البارد الثقيل !!
كما اني لا استبعد ان تكون هذه «البحّة» التي توحي اليّ هذا الحديث معك ، هي من نتاج تلك السفرة التاريخية الوداعية الاليمة - الى «فيع» بعد وداعك لصديقك فؤاد !! واني لأجد هذا الافتراض اقرب الى الصواب !!
انا لم اكن - ولا في حال من الاحوال - على استعداد للقراءة - وفي هذه الصبيحة الباردة - ولكني اردت تقليب صفحات المجلة لألقي نظرة خاطفة على رسالة قديمة كنت بعثتها إلى شاعرنا فياض - اذ بلغني انها مدرجة في هذا العدد - على غير علمي وارادتي !!..
ولكن ما كادت عيناي تقعان على
تلك الدمعة التي تحوّلت بين يديك الى مرثاة نثرية شعرية هي آية في الوفاء والاخلاص ، : لم اتمالك من قراءة سطورها المثقلة بأحرّ ما يمكن من الدموع والاسى والحسرات المحرقة مرتين ، وثلاثاً واربعاً .
أو لم يكن الاجدر بي تجنب مثل هذا الموضوع ، واستبعاده عنّي شفقة على صحتي يا هل ترى ؟!.. ولكن - بما لا شك فيه ، ان للبكاء والالم ، احياناً لذة نفسية تفوق ما يمكن ان نجنيه من ملذات الحياة الدنيا المبهجة . ان هذا ما يذكرني ببعض ابيات انشدها صديقنا الشاعر «النجفي» بهذا المعنى :
استلذ الحزن المذيب كما قد
لذ للسامع الغناءُ الشجيُّ
ان للحزن سكرة كالحميا
خصّ ما نالها الفؤاد الذكي
سكرة الحزن تملأ القلب وحياً
فهل الحزن للقلوب نبي ؟
فلا بأس عليك إذاً يا صديقتي من هذه البحّة ، ومن هذه الذكرى المجيدة المحزنة - التي - وان آلمتك الان ، فكلاهما بمثابة منعش مقو لروحك ، كلما خارت العزيمة وانحطت القوى . ان ذكرى هذه الصداقة التي نعمت بها ، ستظل مرافقتك ما زلت حية - إنها لثروة روحية تستمدين منها المعونة متى شئت - وستظلين تقتطفين من ذلك الادب الحي - من «عناقيد» صديقك السخية بثارها - متى اردت - ما زال الادب الذي جمع بينكما هو شعارك المفضل في الحياة !!..
وانها لصداقة صافية هذه التي تفتحت لها روحك وذهنك ، فجئت في ذلك المأتم الرهيب وتحت قبة الفلك ، تشهدين اهل السماء والارض بصفائها ونزاهتها ! وهل من دليل أروع صفاء ، واسطع اشراقاً من العبارة التالية التي سجلتها على نفسك بجبروروق تشهدين بها الالوف من قارئاتك على ما عاهدت به صديقك وهو يلفظ انفاسه الاخيرة ؟!!..
«إني أعاهدك يا صديقي بأن اكون لجوزفين الاخت الودودة أخفف عنها مرارة الكأس ، وانفض بها ما ساعدني جناحاي على النهوض ... ولن نكبو باذن الله ...»
وختاماً لا يسعني إلا واهنئك بهذه الشجاعة الادبية - ويشوقني تسميتها بالرسالة المثلى - تطلّين بها على بنات جنسك في هذه الآونة الحرجة من تاريخنا - هذه الحقبة التي تحتاج الى التعاون النزيه بين الرجل والمرأة - الى العمل المشترك - دون الاكتراث بتلك التقاليد البالية ، التي باعدت ما بين المرأة والرجل كما وبين مختلف الشعوب والامم ...
جوليا


