أخذ الأفق يتنفس ببطء حينما تسلل الظلام ليتغلغل بين طيات السحب الدكناء، وتلاشى الشفق الأحمر رويداً رويداً، فران على الكون سكون موحش، شبيه بسكون الموت عندما يلامس الجفون التعبة.
وإذا بكل شيء صامت ساج، إلا حفيف أوراق تلك الشجيرات، ذات الأغصان الملد والرائحة الفواحة - المغروسة بنظام عند جانبي الممشى الممتد حتى صحن المنزل الوديع - التي أخذت تتمايل بعضها على بعض، كأنها تتحدث بنجوى الماضي والحاضر والآتي، وإلا هتافات الصغيرة المغناجة التي ما فتئت تقفو أثر فراشة جميلة لتداعب جناحيها الناعمين المغبرين.
كفت الصغيرة عن اللعب بعد أن يئست من الإمساك بالفراشة التي اندست أخيراً بين غرسة شائكة. وتقدمت بخطاها الخفيفة من الأم السادرة، الحاملة رأسها بكفيها، تسألها بصوت ناعم، وقد علقت نظراتها بالوجه الجميل وبالعينين الحزينتين اللتين تحبها كثيراً:
- ماما ... أما حان لنا أن نتناول وجبة العشاء؟ ثم شع بناظريها البريئين نور خاطف ذو معان متباينة، لا يمت بصلة إلى ذلك الدل الذي ينبعث عادة في تألق من عيون الأطفال.
وخيل إلى الأم أنها ترى في ذلك الوميض الخاطف في تينك العينين، صورة أثيرة لديها جداً ما كان أهنأها بها لو أن المدنية الجانية، أو على الأصح يد الحرب الأثيمة، لم تمتد لخطفها والتضحية بها، مع من ضحت في سبيل تقويض أركان العالم الحاضر، ليقوم على انقاضه عالم آخر - كما يزعمون - أهلاً للحياة وأشد إخلاصاً لها، فيا للحياة ... ويا للبغاة.
وكي ينتشل نفسه المضطربة من
قرارة الأحلام، ليواجه الحقيقة الراهنة من جديد، أجابت الأم ابنتها، وقد ثبت نظرها الدامع في العينين المتسائلتين بينما هبطت يدها برفق لتداعب الأنامل الصغيرة المطمئنة في حجرها - بلى يا ابنتي .. هيا بنا.
وهبت واقفة تتطلع إلى البعيد بسهوم. وبحركة مباغتة انثنت نحو الصغيرة فاحتضنتها بين ذراعيها احتضانة عنيفة فيها من المعاني أشتات وأخذت توسعها ضماً ولثماً.
ثم ذهبت بها عدواً إلى غرفة الطعام حيث أجلستها على إحدى الكراسي إلى الطاولة، وراحت في شبه مرح أو ثورة تضع أمامها ما استحضرته في النهار من طعام وفاكهة.
ولكن .. بعينين مليئتين بالتساؤل والتوسل خاطبتها الصغيرة وهي تنقل نظرها بين المائدة والمحيّا الحبيب.
- قلت لي يا أماه، إنك ستهيئين لنا اليوم سمكاً فلماذا لم تفعلي؟!
ودون أن تفطن إلى مسحة الاحمرار التي مرت بالوجه الساهم، ومن غير أن تتبين العلامات المتجهمة التي ارتسمت عليه، سمعتها تقول لها بصوت فيه الكثير من الرقة:


