- إن هذا الطعام هو ولا ريب أنسب من السمك يا صغيرتي.
ورأت الصغيرة على شفتي أمها ابتسامة لم تدرك كنهها.
.. كان للصغيرة إدراكها وفطنتها المحدودان، وكان لها حبها الشديد للأم الرؤوم، بيد أن الطفولة الغريرة بما لها من أحكام وحقوق مبرمة ما لبثت أن برزت في هذه الكلمات المهتزة بالنشيج:
أنا لا أحب هذا الطعام، ولن آكله أبداً .. إنني أريد سمكاً.
وعلا صوتها بالبكاء، وأخذت القطرات الحارة تتساقط من العينين الكسيرتين بانفعال، وبدا الطعام يتراقص أمامها خلال الدموع. وودت لو تسأل سؤالاً ثانياً وثالثاً بل وعاشراً ... عن السبب الذي حدا بالأم الحنون إلى قهرها والهزء بها بعد أن وعدتها بما طلبت.
ثم أحست بحاجة جنونية إلى أن تملأ المنزل صخباً واحتجاجاً، بل ودت لو تحطم جميع ما فيه من أوان وخزف ... ولكن نظرة منها عن غير عمد إلى الأم وقد لبس وجهها حلة قدسية هي العطف ممزوجاً بالألم، وقد كانت دمعة كبيرة تترقرق ببطء على الخد الأسيل، سمرتها في مكانها وأخذت فيها حدتها الصبيانية للتو، في حين راحت الأم تقول لها، وقد اقتربت منها حتى لامست شعرها الذهبي بأناملها:
- ألا تعلمين يا صغيرتي أننا أصبحنا بأشد الحاجة إلى المال، وإن أباك ... ناءٍ عنا ... وإن لا عون لنا في الحياة إلا الله.
لم تجب الصغيرة بكلمة، ولم تدرك ماذا يجب أن تقول .. مع أنها فهمت كل شيء حتى تلك الدمعة ..
أجل، لم تقل شيئاً. ولكنها رفعت يدها الصغيرة بجنان كلي فتناولت اليد العابثة بشعرها، فطبعت عليها قبلة قصيرة
ثم شرعت في تناول الطعام، وقد افتر ثغرها عن ابتسامة هي الفضيلة في مهدها، أو هي حكمة الخالق عندما تمر مرور البرق الخاطف خلال النفوس الكبيرة، أو هي الإنسانية البريئة في ثوبها الناصع الذي لم تلوثه بعد أوحال العالم.
وبعد مضي ساعة ... ثقل ظل الليل، وهدأت حركة المارة وبرز الهلال من وراء الضباب عند الأفق الغربي، ثم ما لبث أن اختفى بينه للمرة الثانية إلى غير عودة.
وأخذت ذؤابة السراج الضئيل النور

