المتأرجحة على نفحات الأثير ، تخبو وتشع .. ثم انطفأت اخيراً ، فخيم الظلام الدامس على الغرفة المقرورة .
كانت الام ما تزال حانية على السرير تدفيء الجسد الغض ببقية الشباب المشتعلة في حناياها على ان انطفاء السراج لم يؤثر شيئاً على ادلهام مخيلتها ..
فما كان اسخف الحياة لديها .. ما كان اسخفها وانفها ، لو انها وحيدة فيها ، وشد ما تهزأ بها وتسخر وما كان اجدرها باقتحام طرقها جميعاً غير هيابة ولا وجلة ، لو ان هذا الملاك لم ير النور ... هذا النور المظلم !
- ولكن ...
وراحت الأم تلفظ هذه الكلمة بحنق المتمرد ، ثم باستسلام المستعبر ، ثم بلا وعي ولا شعور واخيراً .. اخذ الظلام يرسم امام ناظريها صوراً طريفة مخيفة ما لبثت ان اخذت تحدق باحداها تحديقاً طويلاً ... فاذا ثمة سمكة كبيرة تسبح في اليم الهاديء ، ومن ورائها يدان صغيرتان مبسوطتان تطلبانها بلهفة المستغيث وحنين الملتاع .
وطرأ مسمعها مواء هرة متتابع وكأنه صادر من وراء الباب الكبير ، فأنصتت بكليتها مجتهدة في محو تلك الصورة الخيالية عن عينيها الجازعتين .
أوه ... ان ذلك الصوت شبيه بصراخ الاستجارة او التوسل ، وقد تكون هذه الهرة صغيرة اضاعت ، في الليل الموحش امها .. وقد تكون خائفة جزعة او جائعة تطلب طعاماً ، او ..
وبكل القوى الكامنة في صميم الامومة قفزت عن السرير ثم هرعت نحو السراج فأشعلته بسرعة ويمت شطر الباب ففتحته ، وسقط الشعاع الباهت على الهرة وهي تعدو عدو الهارب ثم على جسم صغير - لف لفاً محكماً - ملقى عند العتبة
قرب قدمي الأم الذاهلة ، وبيدين مرتجفتين رفعت ذلك الجسم بين يديها واخذت تنضو عنه اللفائف ، او بالاحرى تمزقها حتى ظهر لها من بينها سمكة ما تزال محتفظة بحرارة ورائحة الشواء !
- يا الله !!
هي لا تدري كيف خفّت وايقظت الطفلة النائمة . ولا تعلم لماذا ايقظتها ، ولا تذكر كيف اخذت تطعمها والصغيرة تكاد لا تقوى حتى على فتح اجفانها
المتكسرة . وجل ما ظل عالقاً بمخيلتها انها قضت تلك الليلة جاثية في شبه غيبوبة .. جاثية لا للصلاة فحسب بل ايضاً للاعتراف بالحكمة العلوية التي دقت على افهام الفلاسفة والحكماء فظهرت بهذا الشكل الساذج .
وعندما اطل الفجر بوجهه الوضيء ، كان للام آراء جديدة ، في مباديء حديثة ، في فلسفة هي الشجاعة والثبات مقرونان بالايمان ، الذي لا تنال منه يد الحياة ابداً .

