طال بيَ الشوقُ ولجّ الظما
إلى ليالٍ في أعالي الكروم
يُغري بها البدرُ صبايا الحمى
كأنما البدرُ خلال الغيوم
جمّع أنوارَ جميعِ النجوم
وصبّها من كوّةٍ في السما
★
طال اشتياقي لرفيف الجفون
يخفق كالدملج في المعصمِ
والشوقُ مشبوبُ اللظى والسكونُ
ليلاته ساهية الأنجمِ
يتمّم الألحانَ فيها فمي
من قبل أن يعزفها المنشدون
★
أين على النهر المواعيدُ
نؤمّها في سكرة الصاحي
وأين منها أعينٌ سُودُ
تحلم كالعنقود بالراحِ
وقبيلٌ وقرعُ أقداحِ
وقهقهاتٌ وأناشيدُ
★
لجّ بيَ الشوقُ لظلٍّ وعودُ
فهل يُلاقي العودُ أصداءه
لو أننا عدنا نبلّ الكبودْ
والنهرُ هل نعرف أفياءه
وماؤه هل لم يزل ماءَه
أم انه وقد مضى لا يعودْ
★
واهاً له مهبط الهامي
فهل ترى يوماً إليه أؤوبْ
أنبش في الضفّةِ أحلامي
أم ان - يا قلبي - عند الغروبْ
أقدامَ غيري فوق تلك الدروبْ
قد طمستْ آثارَ أقدامي
★
مَن لي وقد رُمّد جمرُ الغضا
ان اشهد الثلج الوضيء النديّ
وشعر العجائز الأبيضا
فأنكث الرماد في الموقدِ
لعلّي ان قلّبتهُ يدي
أرى بصيصاً لزمانٍ مضى
★
أم أنّ في الموقد جمراً جديدْ
لو رجَعَ النائي الى قُربه
لوجدَ النارَ تزيد الجليد
في وحشة الدار وفي قلبه
والشَعرَ الأبيضَ ألقت به
عواصفُ الثلج بوادٍ بعيدْ
★
ليلي وقد طُلْتَ وطال الحنينْ
وتعبتْ للعُودِ أوتارُ
وغمّر العودَ غبارُ السنينَ
كم حمّل الربيعَ منقارُ
فاختلجتْ بالريش أوكارُ
واسترجع الشدوَ هزارٌ سجينْ
★
كفاك يا ليلُ فما من ظلامْ
إلّا له خلف الروابي سحرْ
فنحن إن غشّى الفضاءَ الغمامْ
نُطلع من خلف الغمام القمرْ
وإنْ هبنا نتحدَّ القدَرْ
هبّتْ إلى المجذاف أيدي النيامْ
★
فيهرع الشطُّ لملقى السفينْ
ويتمطّى للعلاء العلمْ
وينحني الأرزُ لضمّ البنينْ
حتى إذا البشرى فشتْ في الأكمْ
تحدّرتْ إلى الشطوط القِمَمْ
هازجةً تستقبل الراجعينْ
★
اذ ذاك آلامي وذكراها
تطوي على جُرحي جناحَيها
لانّ أمي حين ألقاها
إن طوّقتني بذراعيها
لقيتُ في بؤبؤ عينيها
ألذَّ أيامي وأحلاها
